آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

السودان.. أزمة نظام أم أزمة بديل؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

منذ يوم الاثنين 23 سبتمبر الماضي، يشهد السودان تحركات ومظاهرات شعبية واسعة مناهضة لسياسات الحكومة، وقد تركزت تلك الاحتجاجات في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، وقد خلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى، كما جرى اعتقال المئات من المتظاهرين وفقا لمصادر المعارضة، في حين أضرم المحتجون الغاضبون النار في العديد من السيارات والممتلكات الرسمية والشخصية ومحطات الوقود، وردد المتظاهرون عدة شعارات مناهضة للحكومة، منها «الشعب يريد إسقاط النظام». وذلك في أكبر تحرك شعبي ضد حكم الرئيس السوداني عمر البشير منذ مظاهرات عام 2012، والتي اندلعت أيضا بسبب رفع الحكومة الدعم عن بعض مشتقات الوقود، وهو ما تكرر مؤخرا، ولكن بشكل أكثر حدة، وذلك على أثر إقرار الحكومة مؤخرا لحزمة من الإجراءات التقشفية، من بينها رفع الدعم الحكومي عن مشتقات الوقود الذي تضاعف سعره، وهو ما اعتبر ضارا ومجحفا بقطاعات شعبية واسعة في بلد وصلت البطالة فيه لهذا العام «2013» إلى 18.8%، كما بلغت نسبة الفقر 46% من إجمالي السكان، في حين يواصل التضخم صعوده ليصل إلى 40%. غير أن الحكومة السودانية دافعت عن قراراتها باعتبارها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من الانهيار، خصوصا بعد أن أصبح ثلاثة أرباع النفط تحت سيطرة حكومة جنوب السودان، وبدورها اتهمت الشرطة السودانية في بيان لها أن من وصفتهم بالمندسين استغلوا الاحتجاجات وأحرقوا ممتلكات المواطنين.

لا شك أن السودان يمر أكثر من أي وقت مضى بأزمات وأوضاع دقيقة وحرجة على كل المستويات والأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والتي تفاقمت إثر انفصال جنوب السودان عام 2011، واستمرار المعارك والاضطرابات الأمنية في عدة مناطق مثل إقليم دارفور ومنطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، من جهة ثانية لا تزال مذكرة التوقيف الصادرة من محكمة الجنايات الدولية تلاحق الرئيس البشير، الأمر الذي أعاق تحركاته الخارجية، وآخرها إلغاء سفره إلى نيويورك مؤخرا لحضور لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة. الرئيس السوداني واجه العديد من المشكلات والأزمات المتتالية منذ الانقلاب العسكري الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية للإنقاذ بزعامة الترابي في 20 يونيو 1989 ضد الحكومة المدنية المنتخبة التي ترأسها الصادق المهدي في أعقاب سقوط الحكم الديكتاتوري السابق لجعفر نميري في 1985، وانتهاء الفترة الانتقالية «سنة واحدة» التي قادها الفريق سوار الذهب. وهكذا دخل السودان مجددا في الحلقة المفرغة التي عاناها منذ الاستقلال، وهي انقلاب - انتفاضة - ديمقراطية، غير أن ما ميز الانقلاب الأخير هو تحالف المدنيين «الجبهة الإسلامية» مع العسكر، كما تقاسم الفريق البشير والدكتور حسن الترابي مقاليد السلطة والسيطرة الفعلية، حيث أصبح الأول رئيسا للجمهورية، والثاني الأمين العام للحزب الحاكم ثم رئيس البرلمان، واستمرت ازدواجية السلطة بين الاثنين وسط تجاذبات ومنافسات حادة مستترة وعلنية إلى أن تفجر الصراع في 12/12/1999م، حين أقدم الفريق البشير على حل البرلمان وتجميد الدستور وحل الهياكل التشريعية والإدارية والجماهيرية التي يهيمن عليها الترابي وأنصاره، كما جرى لاحقا اعتقال حسن الترابي. وقد تكرس الافتراق تنظيميا عندما أعلن الترابي عن تكوين حزب جديد «حزب المؤتمر الوطني الشعبي» وانتقاله إلى صفوف المعارضة، متهما الحكم بأنه قد استولى على الثورة الإسلامية، وبأنه قد خان مبادئها، غير أن السلطة ظلت بيد البشير وحزبه الحاكم «المؤتمر الوطني» بحكم الإمكانيات المادية المباشرة «حكومة - جيش - أمن - موارد» وغير المباشرة التي بحوزته. استطاع الرئيس البشير أن يخرج سالما أو بأقل الأضرار في مواجهة جملة الأزمات التي عصفت بالنظام، وذلك يعود في المقام الأول إلى إحكام سيطرته وحزبه «المؤتمر الوطني» على مفاصل الدولة والسلطة، وخصوصا المؤسسة العسكرية/ الأمنية إلى جانب انقسام وتشرذم المعارضة ما بين الاتجاهات الدينية والليبرالية واليسارية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سينجح النظام الحاكم هذه المرة أيضا في الخروج سالما مع استفحال ازمته البنيوية الخانقة وفي ظل تداعيات وتأثيرات ثورات «الربيع العربي» على الوضع السوداني الداخلي؟ في 8 يونيو الماضي، أعلن تحالف المعارضة السودانية التي تضم 20 حزبا من كافة ألوان الطيف السياسي أنه ينوي الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير سلميا في غضون مئة يوم، وكان التحالف السوداني المعارض أكد العام الفائت أنه سيعبئ مناصريه في إطار تظاهرات سلمية لإسقاط نظام البشير، ودعا إلى تنفيذ إضرابات من دون أن ينجح في إطلاق تحرك شعبي كبير رغم تدهور الوضع الاقتصادي في السودان. حتى الآن لم تستقطب المظاهرات الراهنة حشودا كبيرة على غرار ما حصل في العديد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ما أدى إلى الإطاحة بالعديد من الرؤساء تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية. صحيح أنه انقضت مهلة المئة يوم التي حددتها المعارضة السودانية والنظام لم يسقط، غير أنه مع سقوط عشرات القتلى والجرحى من المتظاهرين السلميين في المواجهات الأخيرة قد تتغير المعادلة لغير صالح النظام. تجربة السودان وغيرها من التجارب والمشاريع الإسلامية، سواء في البلدان التي وصلت الحركات الإسلامية فيها إلى السلطة، أو التي تسعى لاستقطاب المؤيدين والأنصار لبرامجها وأهدافها تتطلب إعادة النظر في الكثير من التصورات والممارسات الخاطئة والمدمرة، ومن بينها الاستخدام النفعي للدين في العمل السياسي، ونبذ أسلوب العنف، ومحاولة فرض الآراء والمفاهيم بالقوة، أو من خلال نفي وإقصاء ورفض الآخر أو تكفير الدولة والمجتمع، وضرورة الاعتماد على الوسائل والأساليب السلمية في العمل السياسي والجماهيري، واحترام التداول السلمي للسلطة، وتأكيد مبدأ احترام التعددية في الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية والثقافية.

منذ يوم الاثنين 23 سبتمبر الماضي، يشهد السودان تحركات ومظاهرات شعبية واسعة مناهضة لسياسات الحكومة، وقد تركزت تلك الاحتجاجات في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان، وقد خلفت وراءها عشرات القتلى والجرحى، كما جرى اعتقال المئات من المتظاهرين وفقا لمصادر المعارضة، في حين أضرم المحتجون الغاضبون النار في العديد من السيارات والممتلكات الرسمية والشخصية ومحطات الوقود، وردد المتظاهرون عدة شعارات مناهضة للحكومة، منها «الشعب يريد إسقاط النظام». وذلك في أكبر تحرك شعبي ضد حكم الرئيس السوداني عمر البشير منذ مظاهرات عام 2012، والتي اندلعت أيضا بسبب رفع الحكومة الدعم عن بعض مشتقات الوقود، وهو ما تكرر مؤخرا، ولكن بشكل أكثر حدة، وذلك على أثر إقرار الحكومة مؤخرا لحزمة من الإجراءات التقشفية، من بينها رفع الدعم الحكومي عن مشتقات الوقود الذي تضاعف سعره، وهو ما اعتبر ضارا ومجحفا بقطاعات شعبية واسعة في بلد وصلت البطالة فيه لهذا العام «2013» إلى 18.8%، كما بلغت نسبة الفقر 46% من إجمالي السكان، في حين يواصل التضخم صعوده ليصل إلى 40%. غير أن الحكومة السودانية دافعت عن قراراتها باعتبارها ضرورية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من الانهيار، خصوصا بعد أن أصبح ثلاثة أرباع النفط تحت سيطرة حكومة جنوب السودان، وبدورها اتهمت الشرطة السودانية في بيان لها أن من وصفتهم بالمندسين استغلوا الاحتجاجات وأحرقوا ممتلكات المواطنين.

لا شك أن السودان يمر أكثر من أي وقت مضى بأزمات وأوضاع دقيقة وحرجة على كل المستويات والأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والتي تفاقمت إثر انفصال جنوب السودان عام 2011، واستمرار المعارك والاضطرابات الأمنية في عدة مناطق مثل إقليم دارفور ومنطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان، من جهة ثانية لا تزال مذكرة التوقيف الصادرة من محكمة الجنايات الدولية تلاحق الرئيس البشير، الأمر الذي أعاق تحركاته الخارجية، وآخرها إلغاء سفره إلى نيويورك مؤخرا لحضور لقاءات الجمعية العامة للأمم المتحدة. الرئيس السوداني واجه العديد من المشكلات والأزمات المتتالية منذ الانقلاب العسكري الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية للإنقاذ بزعامة الترابي في 20 يونيو 1989 ضد الحكومة المدنية المنتخبة التي ترأسها الصادق المهدي في أعقاب سقوط الحكم الديكتاتوري السابق لجعفر نميري في 1985، وانتهاء الفترة الانتقالية «سنة واحدة» التي قادها الفريق سوار الذهب. وهكذا دخل السودان مجددا في الحلقة المفرغة التي عاناها منذ الاستقلال، وهي انقلاب - انتفاضة - ديمقراطية، غير أن ما ميز الانقلاب الأخير هو تحالف المدنيين «الجبهة الإسلامية» مع العسكر، كما تقاسم الفريق البشير والدكتور حسن الترابي مقاليد السلطة والسيطرة الفعلية، حيث أصبح الأول رئيسا للجمهورية، والثاني الأمين العام للحزب الحاكم ثم رئيس البرلمان، واستمرت ازدواجية السلطة بين الاثنين وسط تجاذبات ومنافسات حادة مستترة وعلنية إلى أن تفجر الصراع في 12/12/1999م، حين أقدم الفريق البشير على حل البرلمان وتجميد الدستور وحل الهياكل التشريعية والإدارية والجماهيرية التي يهيمن عليها الترابي وأنصاره، كما جرى لاحقا اعتقال حسن الترابي. وقد تكرس الافتراق تنظيميا عندما أعلن الترابي عن تكوين حزب جديد «حزب المؤتمر الوطني الشعبي» وانتقاله إلى صفوف المعارضة، متهما الحكم بأنه قد استولى على الثورة الإسلامية، وبأنه قد خان مبادئها، غير أن السلطة ظلت بيد البشير وحزبه الحاكم «المؤتمر الوطني» بحكم الإمكانيات المادية المباشرة «حكومة - جيش - أمن - موارد» وغير المباشرة التي بحوزته. استطاع الرئيس البشير أن يخرج سالما أو بأقل الأضرار في مواجهة جملة الأزمات التي عصفت بالنظام، وذلك يعود في المقام الأول إلى إحكام سيطرته وحزبه «المؤتمر الوطني» على مفاصل الدولة والسلطة، وخصوصا المؤسسة العسكرية/ الأمنية إلى جانب انقسام وتشرذم المعارضة ما بين الاتجاهات الدينية والليبرالية واليسارية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل سينجح النظام الحاكم هذه المرة أيضا في الخروج سالما مع استفحال ازمته البنيوية الخانقة وفي ظل تداعيات وتأثيرات ثورات «الربيع العربي» على الوضع السوداني الداخلي؟ في 8 يونيو الماضي، أعلن تحالف المعارضة السودانية التي تضم 20 حزبا من كافة ألوان الطيف السياسي أنه ينوي الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير سلميا في غضون مئة يوم، وكان التحالف السوداني المعارض أكد العام الفائت أنه سيعبئ مناصريه في إطار تظاهرات سلمية لإسقاط نظام البشير، ودعا إلى تنفيذ إضرابات من دون أن ينجح في إطلاق تحرك شعبي كبير رغم تدهور الوضع الاقتصادي في السودان. حتى الآن لم تستقطب المظاهرات الراهنة حشودا كبيرة على غرار ما حصل في العديد من بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ما أدى إلى الإطاحة بالعديد من الرؤساء تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية. صحيح أنه انقضت مهلة المئة يوم التي حددتها المعارضة السودانية والنظام لم يسقط، غير أنه مع سقوط عشرات القتلى والجرحى من المتظاهرين السلميين في المواجهات الأخيرة قد تتغير المعادلة لغير صالح النظام. تجربة السودان وغيرها من التجارب والمشاريع الإسلامية، سواء في البلدان التي وصلت الحركات الإسلامية فيها إلى السلطة، أو التي تسعى لاستقطاب المؤيدين والأنصار لبرامجها وأهدافها تتطلب إعادة النظر في الكثير من التصورات والممارسات الخاطئة والمدمرة، ومن بينها الاستخدام النفعي للدين في العمل السياسي، ونبذ أسلوب العنف، ومحاولة فرض الآراء والمفاهيم بالقوة، أو من خلال نفي وإقصاء ورفض الآخر أو تكفير الدولة والمجتمع، وضرورة الاعتماد على الوسائل والأساليب السلمية في العمل السياسي والجماهيري، واحترام التداول السلمي للسلطة، وتأكيد مبدأ احترام التعددية في الحياة السياسية والاجتماعية والدينية والفكرية والثقافية.