آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:40 ص

احنا وبس والباقي خس!

حسين العلق *

ثمة سلوك سلبي مستحكم لدى البعض محصلته النهائية قتل روح المبادرة وتحطيم الإبداع في المجتمع. وخلاصة ذلك المسلك على وجه التحديد هو صرف اصحاب المبادرة عن المضي في مبادراتهم - على مختلف الصعد - لا لشيء سوى انها لا تعجبنا!. وقد يسوق بعضنا قائمة تطول او تقصر من مسوغات هذا المسلك الأرعن، ربما لغرض إراحة الضمير عند تناول الآخرين بسياط الألسن وحراب الأقلام. المؤسف هو حرمان المجتمع في نهاية المطاف من طاقات خلاقة ربما لو قيّض لها لغيرت وجه المنطقة.

ينبغي ان أشير هنا الى أنني لست بصدد الوقوف بوجه محاولات التصويب ولا النقد البناء أو إسداء النصيحة. ذلك أن مجتمعا لا يشجع الروح النقدية لدى أفراده لهو مجتمع خامل لا حياة فيه. دعني أقول؛ ما أنا بصدده هنا هو ذلك النوع من الاستهداف بالإساءة المبطنة تارة، والمكشوفة تارة اخرى، لكل صاحب مبادرة او رأي او حتى منهجية لا تتوافق مع ما يراه هؤلاء المهاجمون. ولا أكاد أجد هنا فرقا بين أساليب الهجوم والتثبيط التي تأتي تارة تحت ستار الإساءة المبطنة بلسان المشفق، والآخرى التي تفوح منها رائحة الكراهية وقوامها قصف المبدعين بوابل من التجريح والازدراء العلني. وهذا الأخير تحديدا لا يمت للنقد البناء بصلة حتى لو لمس مرتكبه السماء بأطراف أصابعه.

ولتقريب الصورة سأتناول هنا شكلان من ردود الفعل ازاء مشروعين اجتماعيين كبيرين. وسأتجنب ذكر الأسماء نأيا عن الاحراج ولأن غرض المقالة الأساس هو أخذ العبرة لا أكثر. فبإزاء ظهور أخطاء ظهرت في احتفالية كبيرة على مستوى المنطقة وصفت بالفادحة، برزت مطالب باستقالة الادارة القائمة على المشروع، وصلى الله وبارك!. الأمر المهم أنه لم يصاحب مطلب الاستقالة - بحسب متابعتي - أدنى تجريح او إساءة شخصية لاعضاء الادارة، ولذلك نُظر الى أي رد فعل خارج سياق هذا المطلب المحدد على انه مبالغ فيه الى حد ما، ويستحق التأمل أكثر. وعلى النقيض من ذلك ما أعقب احتفالية كبيرة لمشروع نسائي ضخم، من رد فعل مطالب بإلغاء كامل المشروع الذي مضى على انطلاقته سنوات، تحت مبررات متهافتة. وشتان بين من يطالب بالتصحيح ويدفع نحو تقديم الأفضل للمجتمع ومن يدعو لإجتثاث المبادرات الاجتماعية الخلاقة لدواع واهية.

لابد أن نقول بأن المجتمعات الحية هي التي تحتضن وتشجع كل انواع المبادرات على كافة الصعد وشتى المجالات. وربنا عز وجل يقول ﴿قل كل يعمل على شاكلته وبعبارة اخرى ينبغي ان تترك حرية الحركة لجميع المبادرين دونما سقف محدد او مسار اجباري واحد، كما لا يجوز بأي حال من الأحوال مساءلة اصحاب كل مبادرة او مشروع أو رأي أو توجه بأينكم عن الموضوع الفلاني ولماذا تتجاهلون المشكلة العلانية، وغيرها من الأسئلة البالغة السماجة والسذاجة، كما لو كان هؤلاء المبادرين مسئولين عن كل مشاكل الكون دفعة واحدة، فيما نحن وحدنا المسلطون على عباد الله تحت شعار ﴿لا أريكم إلا ما أرى، أو بالعربي "المفتشر" «احنا وبس والباقي خس»!.

حقيقة الأمر، ينبغي أن يكون هؤلاء المتفذلكون أنفسهم محلا للمساءلة! فبدلا من طرح أنفسهم باعتبارهم «أبو العرّيف» في تشريح الآخرين، سيكون أجدى لو تقدموا هم ببدائل مقنعة عن تلك التي يقدمها نظرائهم، فهم بذلك يقدمون خدمة جليلة لمجتمعهم، وسيدركون الفرق الشاسع حينها بين النزول للساحة والجلوس على دكة المتفرجين.

بقي أن أقول ان المؤسف الى حد الألم أن المبدعين هم الأكثر عرضة لسهام التجريح، بمختلف العيارات، فيما يبقى الكسالى والنائمون على حرير الألقاب والامتيازات في منأى تام عن ذلك، ولله في خلقه شئون!.

كاتب سعودي