آخر تحديث: 23 / 7 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

من انتصر في كربلاء؟

حسين نوح المشامع

للوهلة الأولى وبنظرة سياسية بحته وبحسابات عسكرية دقيقة، فأن الجيش الأموي قد انتصر. وبقتل الإمام الحسين وقتل أهله وأصحابه، أعلنت نهاية المعركة. وبأسر من بقي على قيد الحياة، وبحمل الرؤوس على الرماح، وبأخذهم من كربلاء إلى الكوفة، وصولا إلى الشام، تكون مساعي الجيش الأموي قد كللت بالنجاح، وحققت أهدافها المرجوة منها.

الإمام ومن كان معه في ذلك الجيش القليل العدة والعدد، قد انهزم. وبهذا يعتبر أبو عبدالله قد أقحم نفسه وغرر بمن معه، في معركة خاسرة بجميع المقاييس المادية. وانه قد ألقى بنفسه في التهلكة، بمقابلة جيش جرار بعدد قليل من الأهل والأصحاب لا يصل تعدادهم إلى الثمانين فردا.

لكن واقع الحال يقول غير ذلك، باعتبار الأهداف التي قام من اجلها الحسين ، وبالنظر للنتائج التي حققها. فهو يكون قد انتصر، حتى بالمنظور السياسي والعسكري. فكيف حصل ذلك والسلطة الأموية لم تسقط، ولم تزل بقوتها كما كانت من قبل؟ لنستعرض بعض من أهدافه  لتي من اجلها ضحى بحياته وحياة من معه، ونرى ما حققه منها.

1 - إرجاع الأمة إلى الدين الإسلامي الأصيل الذي أسس له الرسول ﷺ.

2 - كشف سوءة بني أمية على الملأ، واثبات إنهم قبلوا بالإسلام مجبورين، ويتحينون الفرصة للانقضاض عليه.

3 - استنهاض الهمم لتنفض التراب عنها وجهها، ولتقف في وجه الطغاة والظلمة.

4 - تجسيد المبادئ والأسس الإسلامية حاضرة أمام الأمة.

5 - الشفافية والوضوح في التعامل مع الآخرين.

هذه بعض الأهداف الحسينية، فهل تحققت على ارض الواقع، أم بقت مجرد أفكار وأحلام بين طيات الورق؟ أما إن الأمة الإسلامية رجعت إلى دين الله الذي فقدته، فقد لوحظ ذلك جليا في عدد من تتلمذ على يدي الإمامين الباقر والصادق ، وهم يعدون بالألوف ومن مختلف المذاهب والمشارب الإسلامية. حتى أئمة المذاهب الأخرى كانوا من تلاميذ الإمامين . وينقل عن أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي قوله «لولا السنتان لهلك النعمان».

أما كشف خزي بني أمية، فقد قاموا هم بذلك، بأخذهم أهل البيت  سبايا، وبقطع الرؤوس والتجوال بها من بلد لآخر، وهم يدعون إن هؤلاء أسرى. ففضحوا أنفسهم من حيث لا يشعرون، بعد أن عرف الناس على أهل البيت . وحدثت الفضيحة الكبرى عندما تعرفت زوجة يزيد على السبايا، فكانت فضيحته على رؤوس الأشهاد وفي قعر داره.

أما استنهاض الهمم، فقد حدثت من الثورات ما جعل بني أمية يندمون على فعلتهم تلك، ولكن ولآت حين مناص.

فقد أدى ذلك إلى زعزعت ملكهم وذهاب دولتهم، في بعض سنين. والله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون.

والشفافية والوضوح في تعامله، فكان بإخباره من كانوا معه بما يؤل اليه امره علانية وبدون مواربة، خاصة بعد مقتل مسلم بن عقيل ، ليمضوا على بصيرة من امرهم، وليختاروا ما يشاءون.

وتجسيد المبادئ الإسلامية، فقد انبرى بابي وهو وأمي بتطبيقها، مع خروجه من مكة. حيث رفض أن يقتل في الحرم، فتستباح حرمة البيت. كذلك وقبل أن يحارب القوم ويحاربونه، بدأهم بالنصيحة وبطرح الأدلة والشواهد التي لا يمكن أن ينكرونها، من باب أدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن.

بعد هذا النزر اليسير من الأهداف التي حققها أبو عبدالله ، والتي كانت بقدر طاقتنا على الإدراك، لا بقدره هو، من انتصر؟

 

حاجتنا إلى عاشوراء

يعتقد البعض أن الحسين بحاجة إلينا، لأحياء شعائره وإقامة مآتمه. ولولا نحن لانمحى ذكره من الوجود، ولضاعت جهوده أدراج الرياح. إذا كان هذا الكلام صحيحا، فمن حافظ على تلك الشعائر، وصانها من الضياع، حتى وصلت إلينا طرية نقية، كأنما سيد شباب أهل الجنة  قد استشهد بالأمس القريب؟ لكن كما قال رسول الله ﷺ «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا». فأبا عبدالله إمام للأمة استلم الحكم، أو أحيل بينه وبينه. وان لم نقم نحن بالدور المناط بنا، لأحياء الشعائر الحسينية، فسيقوض الله من هو أفضل وأحق به منا، ليقوم بهذا الواجب ويتفانى فيه. قوم يحبهم الله ويحبونه، أذلة على المؤمنين، عزة على الكافرين، لا يخفون في الله لومة لائم.

كذا قيل عن الإمام المهدي عجل الله فرجه وسهل مخرجه. هل نحن ننتظره، لينصرنا على أعدائنا؟ أم هو ينتظرنا، لتكتمل عقولنا؟ لذا نحن بحاجة لعاشوراء لحفظ هويتنا وتأكيد انتمائنا، وبدونها لكنا كالمعزى التي لا راعي لها، تنتظر الذئب متى ينهشها. أو كركب سفينة يتقاذفهم الموج من كل مكان، ولا يهتدون لليابسة سبيلا.

خاصة في هذه الأيام التي كثرت فيها التوجهات والأهواء، واختلط فيها الحابل بالنابل، ولم يعد يعرف المحق من المسيء، وصعب تمييز الحق من الباطل. فلم يعد لنا إلا العودة إلى أبي عبدالله ، لأنه سفينة النجاة، ومصباح الهدى.

وما نراه عند الآخرين ممن ليس له جهة إلهية يرجع إليها، أو قائد حق يقتدي به. فتراه يتخبط كمن يسير إلى سراب، لا يعرف لمن يلجأ. يكاد برق الباطل يخطف بصره، وإذا اظلم عليه أقام. فهو تارة إلى اليمين وأخرى إلى الشمال، مبتعدا عن الصراط المستقيم، صراط الذين انعم الله عليهم، من النبيين والشهداء والصديقين.

عند ذلك نعرف النعمة التي نحن فيها، والصحة التي ننعم بها، وهي تاج على رؤوسنا لا يراه إلا المرضى.