آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

هل هناك موقف إيراني جديد؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

هل هناك مؤشرات على حدوث تغيير ملموس في الخطاب الإيراني الرسمي «على الصعيدين الداخلي والخارجي» بعد تسلم حسن روحاني الذي يوصف بالاعتدال سدة الرئاسة الإيرانية في الثالث من شهر أغسطس الفائت؟ فروحاني الذي فاز منذ الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، ومتقدما بشكل كبير على منافسيه من المرشحين المحافظين حظي بدعم القاعدة الشبابية الواسعة والطبقة الوسطى في المدن الكبرى المتطلعين إلى التغيير والانفتاح بعد أكثر من ثلاثة عقود على قيام الجمهورية الإسلامية «1979» في إيران. 

مع أن روحاني لا يحسب على الإصلاحيين، لكنه طرح نفسه كمرشح معتدل، وتضمن برنامجه الانتخابي التأكيد على ضرورة تطوير القاعدة الاقتصادية وتلبية احتياجات المجتمع الإيراني الذي يعاني من البطالة والفقر والتضخم والتي فاقمتها العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران. 

وقد تعهد روحاني بإخراج إيران من عزلتها عبر انتهاج سياسة خارجية منفتحة ومرنة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، ومناقشة كافة القضايا والمشكلات العالقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الأخرى، ومن بينها بل وفي مقدمتها الملف النووي. 

هذا الخطاب الرسمي الإيراني الجديد يتسم بالواقعية «البراغماتية» وبنبرة المصالحة مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في العالم، رغم أنه يحتاج إلى ترجمته على أرض الواقع، غير أن هذا الخطاب الجديد يختلف عن الخطاب التصعيدي ونبرة التحدي والمواجهة مع الولايات المتحدة والغرب وربيبتها إسرائيل، الذي ساد إبان فترة الرئيس الإيراني السابق محمود نجاد. 

هذا التوجه الإيراني الجديد اقترن ببعض المؤشرات الهامة، نذكر من بينها، أولا: الملف النووي، حيث تم نقل جهة الإشراف على المفاوضات مع وكالة الطاقة النووية من مجلس الأمن القومي «الذي يشرف عليه المرشد الأعلى» إلى وزارة الخارجية الإيرانية، كما أكد الرئيس روحاني على الطابع السلمي لبرنامج إيران النووي والرفض المطلق لإنتاج أسلحة نووية، ودعا إلى ضرورة تبديد مخاوف الغرب والدول الإقليمية على هذا الصعيد من خلال الشفافية واستئناف المفاوضات العالقة مع إيران حول برنامجها النووي، على أن يكون بجدول أعمال وزمن محددين للبت في كافة القضايا الخلافية، وقد عقد أول اجتماع بين إيران ومجموعة 5+1 «تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوربي» على مستوى وزراء الخارجية في الأسبوع الماضي على هامش فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

ثانيا: العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب: حيث تبدو مؤشرات أولية على بداية إنهاء سياسة القطيعة والعداء المطلق المتبادل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية المستمرة منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران. 

نشير هنا إلى رسالة التهنئة التي تلقاها روحاني من الرئيس الأمريكي وبعض الزعماء الأوروبيين بمناسبة تسلمه مهام الرئاسة، وكذلك معايدة روحاني لليهود في العالم بمناسبة أعيادهم وعدم تنكره لحقيقة المحرقة التي لحقت باليهود على يد النازية، إلى جانب الإفراج عن العشرات من المعتقلين السياسيين الإيرانيين. 

يأتي ضمن هذا السياق عقد أول اجتماع ثنائي ضم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الإيرانية محمد جواد ظريف، كما عقدت اتصالات ولقاءات مباشرة بين وزير خارجية إيران ووزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم جاء الاتصال الهاتفي من قبل الرئيس الأمريكي أوباما بالرئيس روحاني تتويجا لها، وقد تضمنت كلمات الرئيس أوباما والرئيس روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عبارات إطراء متبادل مما قد يمهد لفتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية، مما أثار التكهنات حول ما يطبخ في الخفاء بين إيران والغرب.

لكن الرئيس الأمريكي طالب إيران بترجمة توجهاتها الإيجابية المعلنة على أرض الواقع، وخصوصا ما يتعلق بملفها النووي، وبدوره أكد الرئيس روحاني على الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، مطالبا باستئناف المفاوضات الخاصة بملف إيران النووي، كما دعا الى رفع العقوبات المفروضة على بلاده، غير أن إسرائيل التي شعرت بانزعاج شديد من هذا التقارب المستجد بادر رئيس وزرائها نتنياهو إلى مهاجمة توجهات روحاني ووصفه بأنه ذئب في ثوب حمل.

ثالثا: إيران والقضايا الإقليمية الساخنة: أكد روحاني غداة انتخابه على محورية العلاقات الإيرانية ــ السعودية، وضرورة تنشيطها وتقويتها في جميع المجالات وتعاونهما المشترك للتصدي للمخاطر والتحديات كافة التي تواجه المنطقة، وهو أمر له دلالته إن صدقت النوايا الإيرانية. فهل سيساعد انفراج وترطيب العلاقات بين إيران والولايات المتحدة والغرب من جهة، وبين إيران والدول الخليجية من جهة أخرى، في تبديد الشكوك واستعادة أجواء الثقة، الأمر الذي سيساهم في معالجة وإطفاء العديد من البؤر الخطرة والملتهبة في المنطقة مثل سوريا والعراق ولبنان، حيث يتداخل ويتشابك الصراع الداخلي فيها مع المؤثرات والتدخلات الإقليمية والدولية.