آخر تحديث: 19 / 4 / 2021م - 11:42 م

التعليم بحب

بدر شبيب الشبيب *

لماذا ينتظر أولادنا عطلة المدرسة بشغف؟ ولماذا لا يملون من العطلة بعد العطلة؟ يقضون في الصيف ثلاثة أشهر بعيدين عن جو المدرسة، ولا تكاد تسمع من أحدهم كلمة اشتياق إليها. وعندما يحين موعد اليوم الدراسي الأول يود أحدهم لو أن بينه وبين المدرسة بعد المشرقين. فلماذا يكره الدراسة لهذه الدرجة؟

الجواب لأنها ستقطع عليه استمتاعه بوقته، وتذيقه ثقل الحقيبة وملل الفصل وصرامة المعلم وحشو المقررات وملاحقة الواجبات وكوابيس الامتحانات. لا شيء في المدرسة يرتبط في ذهنه بالمتعة غير بعض المشاغبات اللطيفة مع بعض الأقران.

غني عن القول إن البيئة التعليمية كل متكامل، ينبغي أن تتفاعل عناصرها مع بعضها كي تصنع طالبا محبا للعلم، مزودا بالأدوات اللازمة لاكتشاف طاقاته وقدراته واستثمارها على أكمل وجه. لكننا لو أمعنا النظر في تلك العناصر ومدى أهمية كل واحد منها، سنجد أن المعلم هو الذي يلعب الدور الأكبر في تحقيق الأهداف المرجوة من العملية التعليمية. فكلما كان المعلم قديرا ومتمكنا من مادته العلمية، ومتميزا في أسلوبه وأدائه، فإن بإمكانه تعويض أو سد النقص الحاصل في العناصر الأخرى ولو بشكل جزئي. من هنا يأتي الحديث عن المعلم ومسؤوليته في تحبيب المدرسة والدراسة للطالب. ولكن قبل أن يتمكن من القيام بهذا الدور، فإنه لا بد من تهيئته وإعداده إعدادا نفسيا وتربويا لأداء مهمته. فالمعلم المؤهل تأهيلا عاليا، والذي يقدر مهنة التعليم بحق، ويعتبرها رسالة وليست مجرد وظيفة، والذي يجيد فن التعامل مع التلاميذ ويراعي فروقهم الفردية، هو وحده القادر على تغيير صورة المدرسة في ذهن الطالب لتشكل حاضنة جاذبة تستهويه فصولها وفناؤها وجدرانها.

إن المعلم الناجح هو الذي يمارس المهنة بحب، فيتعامل مع أبنائه الطلاب تعاملا أبويا حانيا. يقول تعالى عن معلم البشرية الأول: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك». يشيد بالمتميزين ويشجعهم على بذل المزيد، ولا ينتقص من كرامة أحد، بل يحاول جاهدا أن يعين الضعيف ويقيل عثرة العاثر ويستوعب كبوة الجواد. والمعلم بحب هو الذي ينوع طرق تدريسه تبعا لمتطلبات المقام، ويشجع طلابه على الحوار والنقاش وإثارة الأسئلة، ويشيع جوا من التفاعل بأساليب شتى طردا للملل، ويزرع الثقة في طلابه ويتقبل نقاشهم واعتراضاتهم بصدر رحب.

في كتابه «منية المريد في آداب المفيد والمستفيد» يذكر الشهيد الثاني جملة من الآداب التي ينبغي على المعلم الالتزام بها كي يكون معلما صدقا وحقا. من بين تلك الآداب العمل بعلمه، وحسن الخلق والتواضع وتمام الرفق وبذل الوسع في تكميل النفس، وأن يكون قدوة لطلابه بأفعاله قبل أقواله. يقول «رحمه الله»: وبالجملة فمثل العالم والمتعلم في انتقاشه بأخلاقه وأفعاله، مثل الفص والشمع، فإنه لا ينقش في الشمع إلا ما هو منقوش في الفص.

التعليم بحب مهمة صعبة، خصوصا في ظل كثير من المعطيات التي تدفع بالاتجاه المعاكس، ولكنه على كل حال ليس بالمهمة المستحيلة. بل هو ما يلزمنا لإعادة تصحيح العلاقة بين الطالب والمدرسة، ومن ثم بين الطالب والقراءة، وبين الطالب والعلم.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا..