آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:29 ص

اذا واجهت متعصبا «اكبس عليه كبس»!

حسين العلق *

في حوار بين زميلي عمل هما على طرفي نقيض ازاء موضوع العلاقة الإيجابية مع أتباع المذاهب الاخرى، لم ينتهي الحوار الممل إلا حين صدم أحدهما الآخر بالقول؛ انك ما دمت متشنجا الى هذا الحد، ومؤمنا بأن موقفك ينبع من أساس عقدي متين، فلماذا لا تذهب لرئيسك في العمل، وهو من مذهب منحرف كما تعتبره أنت، وتشرع في مهاجمة عقائده على النحو العنيف الذي تتبناه!

ربما يجسد الموقف أعلاه، من زاوية اجتماعية، خلاصة سوء الفهم المستحكم بين فريقين أحدهما يتبنى الصدام اللفظي العنيف مع أتباع العقائد الأخرى، والآخر مؤمن بإمكانية قيام علاقة إيجابية ليس بين اتباع الديانات والمذاهب فحسب، بل بين جميع البشر.

ثمة رؤيتان ربما تختزلان سوء الفهم المستحكم بين الفريقين:

الاولى: يعتبر أتباع أحد الفريقين أن سبيل «الدعوة» ينبغي أن يمضي بالرغم من كل الظروف، وأن لا يقف أمامه أحد مهما كانت المبررات، وأن لا اعتبار لما يعده الآخرون إساءة لهم وجرحا لمشاعرهم واعتداء على رموزهم ومقدساتهم، وأن أي كلام آخر بخلاف ما سبق فهو دعوة للتنازل عن الحق والمداهنة مع الباطل!.

الثانية: يؤمن الفريق الآخر بمشيئة الله التي جعلت الناس مختلفين في عقائدهم وقناعاتهم، وأنهم غير مطالبين بالتنازل عنها لحساب أحد، وأن «الدعوة» مسألة، والإساءة للآخرين مشكلة، وعليه لا مسوّغ دينيا أو أخلاقيا يبرر الاعتداء على كرامة الناس بالطعن والهجوم على عقائدهم ورموزهم ومقدساتهم، ناهيك عن الأخطر وهو أن الاقتتال الدموي سيكون لا محالة المآل الأخير لنهج الصدام العقائدي الفج والعنيف كما تكشف ذلك تجارب التاريخ القديم والحديث.

نحن اذاً بإزاء جدلية ملتبسة ينطلق فيها كل فريق من أرضية مختلفة. الاولى عقدية منغلقة ومشوّهة الى حد البشاعة، وعمياء عن مآلات نهجها المدمر للعلاقات والسلم الأهلي، والأخرى واقعية تعتقد بحق الجميع في اعتناق ما يشاؤون، آخذة في الاعتبار حفظ كرامة البشر ودماءهم وأعراضهم وممتلكاتهم واعتبار ذلك تحديدا هو غاية الرسالات السماوية جمعاء.

وبالعودة الى الموقف الذي افتتحت به المقالة، وجدنا صاحبنا المتشنج كيف قدم مصالحه على قناعاته عندما تعارضتا. الموقف يكشف عن حقيقة واقعية أبعد ما تكون عن الحالة الفردية، فقد وقفت شخصيا على تصرف احدى الواجهات المتزعمة لخط النزاع المذهبي، عندما أمر أتباعه في احدى الدول الخليجية بالنأي عن الصدام المذهبي مراعاة لشبكة مصالحه في تلك الدول تحديدا، بينما ترك الحبل على الغارب لأتباعه في المناطق الأخرى، وهذا يكشف مدى «البراغماتية» التي يحللها البعض لنفسه تبعا لمصالحه، ويحرمها على غيره عندما يأخذ أولئك مصالح البلاد والعباد بعين الاعتبار!

نحن إذاً بإزاء نهجين مختلفين أحدهما يدفع نحو الاقتتال المذهبي فيما يقود الاخر إلى السلم الأهلي. يقود «العمى» الفريق الاول للولوغ في الدماء على نحو مباشر وغير مباشر جراء آراءه المتعصبة وآراء أشباهه في الفرق والأديان الأخرى، فيما ينطلق الفريق الاخر من جوهر الدين والعقل القاضي بحفظ كرامة البشر وعصمة دمائهم وأعراضهم. ومهما حاولنا إظهار الامر على خلاف ذلك فهو خداع للذات ولعب عن ذقون الناس وتلاعب بمشاعرهم المذهبية. أقول للقارئ المحترم اذا واجهت متعصبا «اكبس عليه كبس» وقل بأن خيارنا في هذه البقعة أن نعيش مع غيرنا بسلام، وكفى!.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالباري الدخيل
[ تاروت ]: 16 / 10 / 2013م - 9:50 ص
احسنت ابوعلي
مرة صادني موقف مع احد الاصدقاء الخطاطين فقلت له لماذا لا تكتب بخطك الجميل هذا اللعن وتشارك به في المسابقات؟
المصالح تقدم على العقائد احيانا
كاتب سعودي