آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

ماذا نأكل؟ وكيف نأكل؟

فوزي صادق *

دعاني منذ لقاءنا الأول بمعرض الكتاب بالرياض المنصرم لتناول العشاء مع أسرته بمدينة الخبر الساحلية شرق السعودية، فتواعدنا، وتقابلنا.. فدخلت بيتهم، وإذا أمامي أبيه وعمه وإخوته، وجدته العجوز الحادة النظر، والتي تجلس على كرسي متحرك، وبعد السلام والمصافحة أجلسوني معهم على طاولة الغداء، كأينا لهم. لقد كان اللقاء أكثر من كونه دعوة تعارف أو أعجاب، فأنا من استفاد أولاً وأخيراً من هذا اللقاء، وبكل النواحي الإنسانية والثقافية والاجتماعية، فبإشارة من الجدة لحفيدها، دفع الكرسي وأعطاني الضوء الأخضر لاصطحابهما، فأخذتني الجدة بجولة فنية رائعة داخل البيت مع الشرح لرؤية اللوحات الفنية وبعض الأعمال والمنحوتات التي تملأ كل أرجاء البيت، ثم عدت إدراجي إلي أول نقطة. لقد عُرضت وُطرحت وسُردت عدة مواضيع على الطاولة، ثم وقعتُ بعض مؤلفاتي التي بحوزتهم. لكن ما شد انتباهي، وجعلني أعيش بدوامة مع نفسي، هو نوعية انتقاء أصناف الطعام المختصرة أمامي، وطريقة أكلهم المتواضعة المريحة بدون تكلف، وإن كل شخص يأكل ما يشتهيه وينتقيه، والأجمل هو البساطة في إعداد وجبة العشاء، إذ لم أشاهد استنفار للجيش العربي وهيئة الأمم المتحدة بقدوم الضيف، حتى أني عشت لحظات مع الماضي، وأخذني التفكير نحو الأطباق المتناثرة بالأرض في الولائم التي حظرتها بمجتمعنا، وصحون أجدادي أيام قريش أو أهل الكهف، والخروف المسكين المسجى بذيله ورأسه، وعيونه تنظر لنا بطلب الشفقة والرحمة.

بصراحة، وجدت نفسي إنسان حقيقي وأنا معهم، فأمامنا خمس سلطانيات شفافة، وكل واحدة بها صنف ولون مختلف، وكأنني أمام تحف فنية بإحدى المعارض، ونوعين من العصير الطازج، وهذا هو العشاء فقط! وأختر ما تريد، وأنا كنت أراقب كيف تتحرك الأيادي، وكيف يأكلون ويلعقون ويسكبون ويطلبون باستئذان، وكل هذا مسبوق بكلمة « لو سمحت »، إنها ليست رسميات كما يظن البعض، لكن هو شعور بالاحترام! فنطقت الجدة العجوز: ماهو موضوعكم اليوم يا أولاد؟ فقال أحدهم، نناقش موضوع قيادة المرأة القادم، وماهي الإيجابيات والسلبيات، وماهي الشكاوي والتعليقات والاقتراحات، فدخلنا بنقاش مابين مؤيد ومعارض، لكن برحابة صدر مع إبتسامة، فبدأنا الاستمتاع بالأكل مع الحوار والنقاش المفيد.

الملفت للانتباه إنه عندما يتكلم أحدهم، ينصت الجميع، وأنا معهم، وكأنني برحلة تدريب « ماذا تأكل وكيف تأكل » نعم سادتي، لقد اكتشفت أن بالمجتمع ناس غير، وأفكار غير، وطريقة غير، وأسلوب غير، هنا تأثرت كثيراً وزادت ثقتي بنفسي، فإنهم يجتمعون لملء البطن فقط، بل صلة رحم، وتفكير، وانصهار، وارتباط، وتشاور، ولتحريك مياه العلاقة الاجتماعية الراكدة بين أعضاء الأسرة، وعدة أمور لا أستطيع حصرها. لقد اكتشفت أن للأكل ثقافة كباقي الثقافات، وإن لكل شيء فن وذوق ولون وأخلاق، فالأكل ثقافة، والكلام ثقافة، والإنصات ثقافة، والعلاقة العاطفية بين الزوجين ثقافة، حتى العلاقة مع الله ومع بني البشر ثقافة، والثقافة هنا تعني اللباقة والفن والكيفية والطريقة المثلى للاستمتاع بالشيء وبلوغ شبق نكهته.. لكن بذرابة وعناية وسلاسة وعناية، وبطريقة محترمة، وبأعلى المقاييس الإنسانية الجميلة، ولا أعني بالثقافة الأكل بالشوكة والسكين، أو الأنفة والتكلف والرسميات الفندقية.

كنت أحاول أقلدهم أثناء الأكل، وأتعلم منهم، فأخبرني الأب إن هذه هي عادتهم منذ أيام أبيه، ومنذ كانوا يسكنون مدينة جدة، وهكذا رباهم حتى وصلت الطريقة للأبناء، وقال أيضاً: لكل بيت ثقافة خاصة بالأكل، سواء مع الأسرة نفسها أو مع الضيوف، فعندنا مثلاً، نستقبل الضيف ببعض المكسرات الخفيفة والشاي وبخور العود فقط، وإذا كانت الدعوة وجبة عشاء كهذه، وكما ترى بعينيك، نعرض نفس الأكل مع الزيادة لشخص أو أكثر، وكل شخص يأكل وحسب معدته، وما يزيد من الطعام نرجعه بالثلاجة، ولا داعي للإسراف والتبذير، وهذا ما أمر به الله.

صدق الأب، هذا ما أمر الله به ورسوله الكريم، فلماذا الإصرار على العادات السيئة في الولائم مع احترامي لمن يخالفني الرأي، وإنها عادات ما انزل الله بها من سلطان، فربما ورثناها من القبلية أو من عادات أجدادنا كنوع من الكرم، وأنا أقول لمن يوافقني، دعها لأصحاب القصور ولشاه بندر التجار، وكن أقرب إلي إنسانيتك، وأنا مقتنع إن قلبك أقرب إلي الله وطاعته من رمي نعمة الله في القمامة، ولا تنسى إن هذا الزمن صعب جداً، والحالة متقشفة في أغلب البلدان، والمصاريف كثيرة، ولا داعي لصناديق الفواكه من أجل ضيف وزوجته، ولا داعي لصحون تكفي لإشباع قوم عاد وثمود من أجل عدة أشخاص، ولا داعي لمشروع التسمين وتربية الكروش بالمناسبات الأسرية والعزاء والليالي الملاح، ولننسى أيام أبا جهل، ولندفن مقولة « هذا ما وجدنا عليه أباءنا وأجدادنا »

عوداً على جلوسي معهم على طاولة العشاء، أعترف أني تطبعت من طبعهم، وأعترف أني تأثرت بهم، وهذا فقط من معاشرة ساعتين زمان، فتمنيت أن تتفشى تلك الثقافة بين أفراد المجتمع، وياليت تعود أيام الألفة والمحبة والجمعة بين أفراد الأسرة، وأن يترك كل فرد الجهاز الذي بيده، ويجتمعون حول طاولة واحدة، وياليت نتعلم ماذا نقدم للضيف الزائر، وإنه لن يموت ولن ينتحر لوقدمنا له ماعندنا وما تجود به أنفسنا، وأحببت أن أخبركم إن أخر مائدة ضيافة جلست أمامها بالعيد قبل أيام، كانت من الشاي والقهوة والتمر والحلويات بأنواعها، فوالله أني لم أفرح بما رأيت واستقبلت، وإنهم لم يردوا الجميل، وإني أصبحت كالفيل أو البقرة التي تجتر كل دقيقة.. وأتمنى أن تصل الرسالة لهم: « شكراً لأنكم ملأتم معدتي، وأنا ملأت عقولكم »

كاتب و روائي - الدمام