آخر تحديث: 19 / 4 / 2021م - 11:42 م

التربية بالحب «1»

بدر شبيب الشبيب *

يتحدث الدكتور ميسرة طاهر، وهو أستاذ الصحة النفسية والعلاج النفسي بقسم علم النفس في جامعة الملك عبد العزيز، ومن أبرز الداعين لتطبيق أسلوب التربية بالحب، يتحدث في أحد البرامج التلفزيونية عن امرأة متعلمة مثقفة جاءت إليه تشكو من أن ابنتها ذات الثلاثة والعشرين عاما تطردها وتمنعها إذا أرادت أن تدخل إلى غرفتها. يقول: سألتها عندئذ: متى آخر مرة قبّلتِ ابنتك؟ فكان السؤال صاعقا لها بشكل خشيتُ عليها أن تتكسر عظام قفصها الصدري من شدة ضربتها على صدرها.

كثيرا ما نظن أننا نمارس أفضل الأساليب التربوية لتنشئة أبنائنا وبناتنا، ولكننا نكتشف متأخرين أننا كنا نسير في الطريق الخطأ، وربما بعد فوات الأوان. وهذا يعود أولا إلى جهلنا بالأساليب التربوية الأمثل، والأدهى من ذلك، والأشد قسوة ومرارة، هو الجهل بالجهل. فالبعض يعتقد جازما أنه خبير تربوي، وأنه متخرج من مدرسة أبيه التي هي غاية في التربية، بدليل أنه هو نجح وشق طريقه في الحياة. وإذا سألته عن كيفية تربية أبيه له، سيمطرك بسيل من الوسائل الإكراهية والعنفية الشديدة التي كان يستخدمها معه، حتى إنه عندما أدخله المدرسة، قال لمعلمه الجملة المشهورة التي تختزل نظرته ورؤيته التربوية الثاقبة!: «خذوه لحم واعطوني اياه عظم»، ومع ذلك فإن الابن المسكين يعتقد أن أباه أفهم من جان جاك روسو!!.

الجهل بالجهل أعظم من الجهل نفسه، لأنه جهل مركب، أي أن تجهل وتجهل أنك تجهل. وذلك يمنعك من أن تتقدم خطوة للأمام، إذ تكتفي بما لديك من المعارف والمهارات والخبرات، وتزهد فيما لا ينبغي ولا يُحمد الزهد فيه، أي الانتهال من النتاج العلمي التربوي الرصين.

لم يعد كافيا اليوم استنساخ تجارب الآباء وتطبيقها على الأبناء، وقد نبه لذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حين قال: «لا تقسِروا أولادكم على آدابكم فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم». وهو ما يعني ضرورة مواكبة الظرف الراهن، والاستفادة من معطيات العلوم الحديثة.

حين نتأمل وصية الإمام علي لابنه الحسن التي كتبها إليه بعد معركة صفين، أي في أخريات حياته الشريفة، نشم من كلماتها رائحة الحب الفواحة التي لم تفارق حروفها أبدا رغم مرور السنين، وكأنها دهن عود معتق من عهد آدم .

كلما أمعنت النظر في قوله في مقدمة الوصية: «وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي، فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت».

أقول: كلما أمعنت النظر في هذا المقطع وجدتُني أغيب فيه حبا، لأنه نص فريد يصلح أن يكون لوحده معلقة على أستار القلوب.

للحديث بقية، وسأترككم مع النص تستمتعون بلذته، وسأعود له الجمعة القادمة بإذن الله.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.