آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

تسريبات سنودين.. تفجر أزمة ثقة ما بين ضفتي الأطلسي

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

لا تزال أصداء الفضيحة الدبلوماسية/ الأمنية المدوية التي تعرضت لها الولايات المتحدة، والتي فجرها المحلل السابق في جهاز المخابرات الأمريكي الجندي برادلي ماننغ، تتفاعل حتى وقتنا الراهن، حين أقدم في مطلع عام 2010 على تنزيل أكثر من ربع مليون وثيقة مصنفة على أنها سرية من وثائق وزارة الخارجية الأميركية، أرسلت من وإلى السفارات الأمريكية في كافة أنحاء العالم، وقد حوت تسريب ملف فيديو يحتوي على تصوير لطائرة مروحية أمريكية تقتل مدنيين عراقيين، بالإضافة إلى آلاف الوثائق المتعلقة بالحرب في العراق وأفغانستان. وكما هو معروف قام ماننغ بتحميل الوثائق التي رفعها على موقع ويكيليكس، والذي يشرف عليه قرصان الحاسوب السابق جوليان أسانج. وقد أظهرت الوثائق ــ التي نشرت في صحف مثل نيويورك تايمز وديرشبيغل الألمانية بالتزامن ــ أن قوات التحالف قتلت مدنيين في السابق ولم يتم الإفصاح عن ذلك، كما أنها سلمت سجناء إلى جهات كانت تعلم جيدا أنها ستعذبهم. وقد قرر أسانج ومجموعته تمرير المعلومات إلى النشر، إضافة إلى معلومات أخرى متوفرة لديهم «لتضخيم الصدمة السياسية»، حسب ما قالوه على موقعهم الإلكتروني. ووفقا لما قاله ماتنغ في حينه، حيث توجد سفارة أمريكية هناك فضيحة دبلوماسية سوف يكشف النقاب عنها. تلك التسريبات تسببت في غضب عارم في البنتاغون ولدى اليمين المتطرف الذي تعالت أصوات من داخله تطالب بالقبض على أسانج أو حتى اغتياله. وهو ما أجبر جوليان أسانج للجوء في 19 يونيو 2012 إلى سفارة الإكوادور في لندن وطلب اللجوء السياسي وهو لا يزال في السفارة حتى الوقت. بعد ثلاث سنوات على تسريبات ويكيليكس انفجرت في الأسبوع الماضي فضيحة التجسس الأمريكي، وكان ضحيتها دول الاتحاد الأوربي المصنفة بأنها الحليف الموثوق عالميا والشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة في منظمة حلف الأطلسي.

بطل الفضيحة، على غرار المرة السابقة قادم من قلب المخابرات الأمريكية، وهو محلل الاستخبارات الأمريكي السابق الهارب إدوارد سنودين. وقد تضمنت الوثائق التي سربها سنودين قيام المخابرات الأمريكية بالتجسس على الزعماء والمسؤولين ومقرات البعثات الدبلوماسية، بل والاجتماعات والمؤتمرات التي تعقدها المنظمات المدنية والحقوقية في دول الاتحاد الأوربي، إلى جانب اعتراض عشرات الملايين من المكالمات الهاتفية، والبريد الإلكتروني والحواسيب الشخصية في تلك الدول، كما ضمت قائمة عمليات التصنت على الهواتف الشخصية حوالي 35 من رؤساء وقادة الدول من بينهم حلفاء للولايات المتحدة؛ مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورؤساء البرازيل والمكسيك وغيرهم. نستحضر هنا فضيحة التجسس التي تفجرت في شهر يونيو الماضي بالتعاون مع كبريات المواقع مثل ميكروسوفت وياهو وأبل، والتي انتهكت خصوصيات ملايين الأمريكيين. الفضيحة الجديدة شكلت صدمة لدول الاتحاد الأوربي وللرأي العام، وقد صرح زعماء الاتحاد الأوروبي المجتمعون في بروكسل بأن اهتزاز الثقة في الولايات المتحدة بشأن التجسس على حلفائها قد يضر بالحرب على الإرهاب، ودعوا إلى وضع ميثاق عمل جديد في هذا الإطار بحلول نهاية العام، وجاء في بيان اتفق عليه الزعماء الأوروبيون أن انعدام الثقة «قد يضر التعاون الاستخباراتي»، غير أنهم في المقابل أكدوا أنهم يثمنون «العلاقة الوثيقة» مع الولايات المتحدة، لكن البيان أشار إلى أن الزعماء «أعربوا عن قناعتهم بأن الشراكة ينبغي أن تكون مبنية على الاحترام والثقة، بما في ذلك ما يتعلق بعمل وتعاون الأجهزة السرية»، وفي محاولة لاحتواء الأزمة المستجدة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي عقد الكونغرس جلسة استماع إلى قادة الأجهزة الأمنية الأمريكية، كما التقى وفد استخباراتي ألماني/ فرنسي مشترك مع نظرائهم الأمريكيين في واشنطن، وقد أرسل الاتحاد الأوربي بدوره وفدا للغاية نفسها. اتسم موقف الرئيس الأمريكي أوباما والإدارة الأمريكية بالارتباك والتناقض الشديد ما بين النفي الشديد، وخصوصا معرفة الرئيس أوباما لبعض تلك التسريبات، إلى التأكيد بأن هناك تغييرات ستحدث في قواعد عمل المخابرات الأمريكية. لا يمكن تجاهل حقيقة أن الجميع يتجسس على الجميع، وخصوصا من قبل الدول الكبرى التي تمتلك تقنيات رفيعة على هذا الصعيد، غير أن الضجة القوية المثارة مردها محاولة تهدئة مشاعر الرأي العام الأوربي. تشكل عمليات التجسس الأمريكية المتكررة في الداخل والخارج أحد مكونات النسق السلطوي الأمريكي، فالولايات المتحدة الأمريكية ومنذ استقلالها عن الإمبراطورية البريطانية في نهاية القرن الثامن عشر، وعبر نخبها وقياداتها المتعاقبة، كانت تكن احتقارا للديمقراطية وحقوق الإنسان، وخصوصا في بلدان العالم الثالث. نذكر هنا ما شهدته الولايات المتحدة من أبشع صور التعدي «في تاريخها الحديث» على الحقوق والحريات الديمقراطية فيما تعرف بالمكارثية التي سادت في الخمسينيات، وأدت إلى اعتقال ومطاردة وفصل عشرات الآلاف من النشطاء اليساريين والنقابيين والسياسيين والمدافعين عن حقوق الزنوج والأقليات، وحتى الناس العاديين ممن عرفوا بميولهم التقدمية والليبرالية تحت حجة انتمائهم أو تعاطفهم مع الشيوعية، مما حول الولايات المتحدة الأمريكية ــ آنذاك ــ عمليا إلى دولة بوليسية تحتقر الدستور والقوانين التي وضعتها حول حقوق الإنسان والديمقراطية. ناهيك عن استنزافها لخيرات الشعوب، وتنظيمها للحروب والغزو والانقلابات العسكرية في عشرات بلدان الجنوب، والتي ذهب ضحيتها الملايين من البشر.