آخر تحديث: 20 / 4 / 2021م - 1:22 ص

عاشقون من طراز فريد

بدر شبيب الشبيب *

الحسين فريد في قدرته الاستقطابية. اليوم وبعد أكثر من 1370 سنة، لا يزال الحسين حاضرا بقوة في قلب الأحداث حضورا يزداد شدة يوما بعد يوم. وهو حضور لن يستطيع فهمه واستيعابه سوى أولئك الذين أُشربوا في قلوبهم حب الحسين، فعشقوا حياة الكرامة والعزة والإباء، ورفضوا الذل والمهانة والعيش الخسيس.

إن من يقرأ سيرة أصحاب الإمام الحسين سيجدهم منجذبين إلى نفسه الشريفة انجذاب العاشقين العارفين، مستعدين لبذل الغالي والنفيس دونه، حتى إنهم لشدة ولههم وتعلقهم به بلغوا مرتبة سامية غابوا فيها عن الحس، وارتقوا إلى عالم المعنى، فلم يعودوا يشعرون بآلام الجسد، كما جاء في الرواية التي يرويها جابر، عن الإمام الباقر ، قال: قال الحسين لأصحابه قبل أن يقتل: إن رسول الله ﷺ قال لي: يا بني إنك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين، وهي أرض تدعى عمورا، وإنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مس الحديد، وتلا: « قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم » يكون الحرب بردا وسلاما عليك وعليهم.

قد يتعجب البعض من قوله ﷺ: «لا يجدون ألم مس الحديد»، إذ كيف تتعطل حواس الإنسان في لحظة ما؟ لكن هذا العجب لا يلبث أن يزول حين يقرأ المرء في سورة يوسف قوله تعالى: «فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ»، فقد أذهل عقول النسوة جمالُ يوسف ، وجعلهن لا يشعرن بالسكين تقطع أيديهن.

في ليلة العاشر من المحرم أقدم الإمام الحسين على خطوة جريئة تنسجم مع ما كان يدعو له من استعادة الناس لحريتهم وكرامتهم. أعلن الحسين لجميع أصحابه بأنه هو بذاته المطلوب من قبل السلطة، وبالتالي، فإن لهم مطلق الحرية في الانصراف عنه دون أن يتحملوا أي مسؤولية: «ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا»؛ فلنتأمل في بعض ما ورد إليه من أجوبة على هذا الإعلان.

يقول التاريخ: فقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلي عنك؟ وبِمَ نعتذر إلى الله من أداء حقك؟!

ولا والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ثم لم أفارقك حتى أموت معك.

وقال سعد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمت أني أقتل، ثم أحيا، ثم أحرق حيا، ثم أُذَر، يُفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك؟ وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.

وقال زهير بن القين: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت، حتى أقتل كذي ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك.

أي عشق هذا الذي تنبض به أجوبتهم والتي ترجموها لاحقا إلى أفعال. لقد كانوا بالفعل كما تحدث عنهم الحسين مجيبا شقيقته زينب : أما وَاللهِ! لَقَدْ نَهَرْتُهُمْ وَبَلَوْتُهُمْ وَلَيْسَ فيهِمُ إِلاَّ الأشْوَسَ

الأقْعَسَ يَسْتَأْنِسُونَ بِالْمَنِيَّةِ دُوني اسْتِئْناسَ الطِّفْلِ بِلَبَنِ أُمِّهِ.

فلننهل من نمير عشقهم، ولنتعلم من سيرتهم كيف نرقى سلم العاشقين.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.