آخر تحديث: 23 / 7 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوحدة ووهم المطابقة

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

الوحدة بين العرب والمسلمين غاية من أسمى الغايات، وهي جسر القوة والمجد.. ولكن ما السبيل إليها، وكيف يمكننا أن نحققها وننجز مفرداتها المتعددة في واقعنا الخارجي؟

ولعل من البدهي القول، إن الاختلاف الفكري والاجتماعي بين البشر من المسلّمات، التي لا تحتاج إلى مزيد بيان وتوضيح.. وذلك لأن مساحة الاختلاف بين البشر، هي جزء من الناموس وقانون الوجود الإنساني.. قال تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم - (سورة الروم، آية 22)..

من هنا فإن مفهوم الوحدة، لايمكن اكتشافه إلا من خلال منظور الاختلاف.. وذلك لأن الاختلاف جزء أصيل من منظومة الوعي الذاتي، كما أنه (الاختلاف) هو الذي يثري مضمون الوحدة، ويمده بأسباب الحيوية والفعالية..

فالاختلاف وفق هذا المنظور ضرورة لما له من وظيفة في بلورة معنى الوحدة وهويته الحضارية والإنسانية..

وبين الاختلاف والوحدة مسافات، لايمكن اجتيازها إلا بالتسامح والحرية، والاعتراف بقانون التعدد ومبدأ التنوع.. لذلك فإن الاختلاف المفضي إلى الوحدة الصلبة، هو ذلك الاختلاف الذي تسنده قيم التعدد والحرية وحقوق الإنسان.. أما الاختلاف الذي يجافي هذه القيم، فإنه يفضي إلى المزيد من التشرذم والتشتت والتجزئة..

ولعل من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها العرب والمسلمون في العصر الحديث، رؤيتهم المنمطة لمفهوم الوحدة..

فالرؤية السائدة عن هذا المفهوم، أنه يعني إلغاء حالات الاختلاف والتعدد الطبيعية والتاريخية والثقافية.. وبفعل هذا المنظور النمطي لمفهوم الوحدة، مارست السلطات التي رفعت شعار الوحدة كل ألوان القمع والإرهاب والتنكيل بحق كل التعبيرات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تختلف رؤيتها عن هذه الرؤية، أو تتباين في أصولها العرقية أو الأثنية..

ولقد دفع العرب جراء ذلك الكثير من التضحيات والخسائر والجهود.. أدناها أن مفهوم الوحدة لم يعد يشكل في هذه الحقبة من الزمن، ذلك البريق أو الشعار الذي يستقطب جميع الفئات والشرائح..

لذلك فإنه آن الأوان لنا جميعا، أن نعيد قراءة مفهوم الوحدة بعيداً عن كل أشكال التوحيد القسري وأساليب تدمير حالات الاختلاف الحضارية المتوفرة في الجسم العربي والإسلامي..

فالاختلاف الفكري والثقافي، لا يدار بعقلية الإقصاء والنفي، لأنه لا ينهي الاختلافات، وإنما يشحنها بدلالات ورموز خطيرة على مستوى العلاقات والوجود الاجتماعي والسياسي..

وحالات الإجماع والوحدة في المجتمعات الإنسانية، لا تنجز إلا على قاعدة تنمية قيم التسامح والتعاون والتعدد والإدارة الواعية والحضارية للاختلافات العقدية والفكرية والسياسية على مستوى الواقع والتاريخ وليس فقط على مستوى النظر والنص..

وإن أخطر الهويات على حد تعبير (داريوش شايغان) على الإطلاق هي تلك التي لا تتحقق إلا على أنقاض هويات الآخرين.. ينبغي أن تكون هويتي متصالحة، مثقفة أو متوافقة مع هويات الآخرين لا أن ترفضها وتهددها بالإلغاء..

فالممارسات العدوانية والانفعالية، لا تلغيان الاختلافات والتمايزات، وإنما تدخلهما في علاقة صراعية، عنفية، بدل أن تكون العلاقة تواصلية وتفاعلية، ولايمكن فهم الآخر، إلا بتقدير وتحديد مساحة الاختلاف معه، وكيف سيتم إدارة هذا الاختلاف..

فالاختلاف في حدوده الطبيعية والإنسانية ليس أمرا سيئا.. الأمر السيئ والخطير في هذه المسألة هو عدم الاعتراف بشرعية الاختلاف وحق صاحبه في أن يكون مختلفاً..

فالتوحيد القسري للناس، يزيدهم اختلافا وتشتتا وضياعا.. وذلك لأن محاولة إنهاء الاختلاف بالقمع والقهر يزيدها اشتعالًا.. كما أن هذا المنطق والخيار يخالفان مخالفة صريحة ناموس الوجود الإنساني، القائم على التنوع والاختلاف والتعدد..

فالتنوع مكوّن للوحدة، ولا وحدة صلبة في أي مستوى من المستويات من دون إفساح المجال لكل التعبيرات للمشاركة في إثراء هذا المفهوم، وإعطائه مضامين أكثر فعالية وقدرة على هضم كل الأطياف والقوى..

وإن أي تغييب للاختلافات الطبيعية في المجتمع، فإنه يفضي إلى غياب الوحدة والاستقرار السياسي والمجتمعي.. وذلك لأن مفاعيل الوحدة الحقيقية متوفرة في فضاء الاختلاف الثقافي والسياسي المنضبط بضوابط الأخلاق وتطلعات الإجماع والوحدة..

ولقد أبانت التجارب التاريخية، استحالة إنجاز مفهوم الوحدة على قاعدة القهر والقسر.. فالنموذج السوفياتي عرّى هذا المنظور وأبرز الثقوب والثغرات الكبرى في مسيرته..

فلا وحدة مع القهر والفرض، كما أنه لا إجماع سياسيا أو وطنيا دون مشاركة كل القوى والتعبيرات المجتمعية في إنجاز مفهوم الإجماع الوطني والسياسي..

ولقد أبانت التجربة السوفياتية أيضا، أن إنكار حركية الواقع وتعدد مكوناته الاجتماعية والثقافية والسياسية وتنوعاتها، لا يفضي إلى الوحدة الاجتماعية والدولة القوية، وإنما هذه الممارسات السياسية والثقافية والاجتماعية الناكرة لتعددية الواقع وتنوعه على مختلف الصعد، تؤدي إلى بلورة القوة المضادة لهذه المفاهيم والممارسات البالية..

لذلك كله تلح الحاجة اليوم إلى إحياء وتأسيس المؤسسات المجتمعية المتحررة من هيمنة المفهوم القسري للوحدة، والانطلاق في بناء فعل مؤسساتي، يستند في كل أموره إلى رعاية الاختلاف، ومحاربة كل نزعات الاستفراد والتغول التي لا تفضي إلا إلى المزيد من التدهور والتشرذم..

وفي نطاق هذه المؤسسات يتم إطلاق حوار وطني يستوعب كل القوى والتعبيرات والوجودات، قوامه حرية الرأي والتعبير واحترام الآخر رأيا ووجودا، وتفعيل وتنمية مستويات المشاركة السياسية والثقافية والاقتصادية..

وهذا الحوار الوطني الشامل بدوره، ينتج حقائق مجتمعية تكرس مفهوم الوحدة الجديد، وتبلور منظور الاختلاف والحوار المفضيين إلى الوحدة والاستقرار السياسي والمجتمعي..

فالوحدة لا تساوي التطابق التام، كما أن الاختلاف لا يعني التشرذم والتشتت والتجزئة.. فنزعات الوحدة القسرية والقهرية، لم تنتج إلا المزيد من التشرذم والضياع، كما أن نزعة ترذيل الاختلاف بالمطلق، لم تؤد إلا إلى المزيد من التوترات والنزاعات والصراعات..

فالاختلاف ليس انقطاعا عن الوحدة، كما أن الوحدة ليست توقفا عن الاختلاف والتمايز والتنوع..

من هنا ندرك أهمية حضور قيمة العدل في الاختلافات الإنسانية.. حيث إن مجرد الاختلاف، ينبغي أن لا يفضي إلى الظلم والخروج عن مبادئ وقواعد العدالة.. يقول تبارك وتعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون - (سورة المائدة، آية 8 )..

ويقول تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (سورة الأنعام، آية 152 )..

فالاختلافات الفكرية والاجتماعية والسياسية، ينبغي أن لا تكون سببا للقطيعة مع قيم العدالة والوحدة، بل وسيلة من وسائل الالتزام بهذه القيم، وذلك من أجل تحديد مجالات الاختلاف وتنمية القواسم المشتركة، لأنها جزء من عملية العدالة المطلوبة على كل حال..

لذلك نجد أن الإمام علي بن أبي طالب حينما سمع بعض أهل العراق في معركة صفين يسب أهل الشام قد قال لهم (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به)( نهج البلاغة )..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».