آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 7:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

المجتمع الشيعي بين البساطة والتعقيد

سلمان محمد العيد

خلال إحدى الأمسيات الرمضانية، آثار أحد رجال الدين الشيعة البارزين نقطة أراها في غاية الأهمية حينما وصف المجتمع الشيعي في المملكة بأنه مجتمع معقد وليس بسيطًا، فهو مجتمع "بحري" بامتياز، أي انه يحمل في ذاته صفات البحر، ظاهره جميل ورائع، بينما باطنه خطير، لا يسبر غوره إلا من أوتي درجة عالية من المخاطرة والجرأة.

حينها – أتذكر – أثير لغط كبير، ودار نقاش واسع حول مسألتي "البساطة والتعقيد" إذ رفض عدد من الحاضرين فكرة أن المجتمع معقد، بل هو مجتمع بسيط، انطلاقًا من كون صفة التعقيد تعد مثلبة، أو شتيمة، أو ربما كانت انتقادًا للمجتمع، وأجد أننا دائمًا في حالة رفض لكل ما يندرج تحت قائمة النقد.

فهل مجتمعنا الشيعي بسيط أم معقد؟

حتى نصل إلى الصورة أو إلى النتيجة التي توصل إلى رجل الدين صاحب تلك الفكرة وهو الشيخ محمد حسن العليوات، علينا أن نقدم تعريفًا لمفهومي البساطة والتعقيد، وثانيا: ان نفرّق بين هذين المفهومين وما يتصور منهما من مفاهيم ومصطلحات ترتبط بهما،  ومن ثم هل يمكن تطبيق كل ذلك على مجتمعنا الشيعي في السعودية، وبعد ذلك ما هي الثمرة التي يمكن أن نجنيها إذا توصلنا إلى كون المجتمع بسيطًا أم معقدًا؟

- إن البساطة تعني الوضوح والشفافية، ليس مع الذات فقط، وإنما مع الآخر، في المقابل فإن التعقيد هو الغموض.
- إن البساطة هي السهولة في التعامل مع الأفكار والأشياء والأشخاص، بينما التعقيد هي الصعوبة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
ــ البساطة هي الصراحة والصدق في كل شي، بينما التعقيد هو الكذب والمراوغة والنفاق.
ــ البساطة هي البحث عن أقصر الطرق للوصول إلى الحقيقة حتى لو كان صعبًا، أي اعتماد الطريق المستقيم للوصول إلى الحقائق، بينما التعقيد هي اعتماد الطرق الملتوية، أو التي تنطوي على شيء من التعرج واللف والدوران.

على ضوء كل ذلك، ولو شئنا التوقف عند شرح هذا المصطلح لطال بنا المقام، لأن المفهوم  الذي نحن بصدد الحديث عنه متشعب وعميق، بيد أننا في هذا الوضع نسعى لتشخيص واقع، قد لا نعممه، ولكن ربما كانت صفة غالبة، أو ربما شملت قطاعًا واسعًا من ابناء المجتمع.

فعلى ضوء ذلك التوصيف لمفهومي البساطة والتعقيد، هل مجتمعنا الشيعي في السعودية بسيط أم معقد؟ بمعنى هل مجتمعنا مريض أم سليم؟

وإذا شئنا الإجابة على ذلك السؤال لنلقي نظرة فاحصة على نمط العلاقة القائمة بين الإنسان الشيعي والطرف الآخر، هل تتسم بالوضوح والبساطة، أم تميل إلى التعقيد والصعوبة والتداخل؟

فالإنسان الشيعي إذا نظر إلى ذاته، تجدها نظرة غير بسيطة وغير واضحة، فهو من جهة يرى فيها التميز والرقي، لكنه في الوقت نفسه لا يكف عن احتقار ذاته واستصغارها في لحظة السلوك العملي، من خلال القبول بالأعمال الدونية ذات الإنتاجية الأقل.
 
وفي الوقت الذي يشعر فيه الشيعي بالأفضلية على غيره، نجده لا يترجم ذلك الشعور على أرض الواقع، بل أن سلوكياته اليومية لاتنم عن شعور متميز، فالمتميز لا يطلب صدقة من غيره، بل هو صاحب أفضلية في هذا الشأن.

كما أن الشيعي يدرك أنه أفضل أهل الأرض، وأنه سوف يدخل الجنة في يوم ما، لكنه في المقابل لا يمارس سلوك من هو الأفضل.. أنها عقدة انا الأعلى، تحولت الى عقدة (أنا الأدنى).. أليس كذلك؟

إننا لو سألنا أي إنسان شيعي حول المستوى الفكري له أولاً بناء طائفته، سيرد عليك قولاً بأنه الأفضل والأعمق والأغزر، لكن العطاء على هذا الصعيد لاينسجم مع ذلك الشعور.. وهناك ظاهرة متفشية في الوسط الديني الشيعي هي "العلمية" فتجد أن بعض رجال الدين يحظون بأوصاف كبيرة تتحدث عن مستواهم العلمي في مجال الفقه وغيره من العلوم الشرعية، بينما لوجئت إلى الواحد من هؤلاء لاتجد له إنتاجيًا يجسد هذا المستوى العلمي، أو حتى يثبته على ارض الواقع، إذ لا أثر لذلك المستوى المزعوم حتى على السلوك الشخصي، وطريقة التعامل مع الآخرين، بل ان قائمة الألفاظ البذئية المستهجنة من أبناء عموم المجتمع يمارسها من يوصف بالعلمية والاجتهاد، ولأن المسألة تنطوي على شيء من "الخدعة" تجد أن من يتلاعب بالألفاظ في تخصصات بعيدة عن عوام الناس هو الذي يجد مكانه في قائمة العلماء، فالعلم الشرعي بات مرادفًا في كثير من الأحيان مع الألفاظ المتداخلة الصعبة، أما من يقدم فكرته بأسلوب سهل يفهمه الجميع قد يوصف بأن مستواه العلمي ضعيف وإطلاعه محدود، حتى لو كان انتاجه غزيرًا ومتنوعًا.. ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن ثمة معارك جرت خلال التاريخ الشيعي الحديث بين رجال الدين كان السلاح اللفظي أحد أهم الأسلحة في المواجهة حتى أن أحدهم  تعمد إحراج زميله في المهنة بأن اصطاد عليه خطأ نحويًا فقام بتصحيحه، أمام الملأ، كي يثبت أن صاحبه ذو مستوى علمي متواضع، ومثل هذه الحالة تتكرر بين فترة وأخرى بين رجال الدين الشيعة.. فمن الواضح أن مفهوم العلمية في الوسط الديني الشيعي متداخل، ولا تجري عملية التقييم فيه على أسس سليمة، بدليل أن أي رجل دين حين ينتقل إلى رحمة الله يتسابق زملاؤه في رثائه ورصد انجازاته والتأكيد على مستواه العلمي وانتانه للمفاهيم والمصطلحات وانهائه للمقررات الدراسية، لكن أحدًا لم يجد له انتاجًا يجسد ذلك المستوى الذي بلغه.. تلك حالة أوصفة تعكس واقع التعقيد في المجتمع الشيعي.

وإذا جئنا على الصعيد الاجتماعي فإنه ثمة نفاقًا اجتماعيًا قد تفشى منذ زمن بعيد، ولا يزال يتوسع ويأخذ أبعادًا خطيرة، يتمثل ذلك في عدم الوضوح في العلاقة الاجتماعية بين كثير من الناس، وفي حال اجبرت الظروف احد اطراف هذه العلاقة صارت المسألة واضحة فإنها تصل إلى حد الصلافة والخروج عن الإطار العام والاخلاق العامة، والشاهد على ذلك أن بعض الوجهاء يصفهم أبناء المجتمع بكل صفات الانتهازية والاستغلالية، والإنحراف الاخلاقي والمالي، بيد أنهم ــ الوجهاء – يحظون باحترام غير عادي وغير طبيعي إذا ما جاؤوا في مجلس عام، ويحصلون على وضع غير طبيعي من الترحيب والتقدير، فالمجاملات القائمة بين الناس لاتتم وفق صورتها الطبيعية، فمادام ذلك الشخص انتهازيًا وسارقًا فهو لايستحق أن يحظى بتبجيل إضافي، او زيادة في الاحترام، ما يؤكد أن المجتمع غير واضح في مواقفه، والموقف الذي تجده ليس بالضرورة هو التعبير الحقيقي عن الواقع فربما كان هناك موقف آخر، في مكان آخر، يتم حسب الأجواء.. من هنا فيبدو الأمر صعبًا أمام أي إنسان أن يجزم بأن موقفه مع جملة من أبناء المجتمع يحظى بقبول الآخر، فربما يقبله ظاهريًا ويرفضه باطنيًا.

 وهناك شاهد آخر، أرأيت أحدًا يحب أحدًا آخر لعظمته وعظمة انجازاته، وضخامة تضحياته، لكنه لا يفعل فعله، ولا يقتدي به ولو بالحد الأدنى؟ هذه هي صفة مجتمعنا الشيعي  يقدس الأئمة المعصومين، ويعتقد بعظمتهم وأفضليتهم في كل شيء، لكن عددا منهم لا يقتدي بهم في أي شيء، بل يمارس عكس ما يعمل أئمته المعصومون، فهو يبكي على ظلامة الحسين ، وما تعرض إليه من اضطهاد وقسوة وعمل غير إنساني من بني أمية، ولا يقف لحظة عن إطلاق أشنع الألفاظ وأقساها على ظالمي آل بيت محمد ﷺ، لكنه ــ مقابل ذلك ــ لا يتورع عن ظلم الآخرين، ونهب حقوقهم، ووضع اليد على أموال الأيتام والفقراء، بل هناك من القصص ما تفيد أن ثمة اضطهادًا مارسه بعض خطباء المنبر الحسيني انفسهم بحق من هم تحت رحمتهم، من أبناء أو زوجات، أو خدم، أو عمال.. إذا كان الحسين قدوة لهم، وقد ثار على الظلم، وقدم تلك التضحيات، فإنهم أولى الناس بالاقتداء به هم لكونهم أنصاره، ويحملون رايته، ويفترض فيهم أن يكونوا نماذج مصغرة من الحسين في رفض الظلم، وقبل ذلك عدم مزاولته، إذ لا يتصور أن الحسين أن يكون ظالمًا تحت أي ظرف، ويفترض بأن من يرفع راية هذا العظيم ان يحمل بعض صفاته، وأبرزها الرحمة والرأفة والعطف فضلاً عن الموقف تجاه العدالة والدعوة لها بشتى الوسائل.

كما أن الشيعة يقدسون سلوك الإمام علي بن أبي طالب وشجاعته وحلمه وعلمه وزهده وورعه واخلاقه وشهامته ومواقفه، لكنهم يمارسون صفات – أظن لو أن عليًا عاصرها لرفضها.. ولا داعي للتفصيل.

على ضوء ذلك فإن صفة التعقيد تكاد تكون موجودة بشكل مركّز لدى فئة غير قليلة من ابناء المجتمع الشيعي، واظن لو أن احدا توقف عند العديد من التشابكات الاجتماعية لوجد العديد من الشواهد التي تؤكد هذه الصفة، التي ينتقدها الكل، ويمارسه الكل.

من هنا فالمجتمع ـ بهذا الوضع ـ يتطلب صياغة جديدة، بأفكار جديدة، مختلفة تقدس قيم الصراحة والوضوح والعدالة في التقدييم ووزن الأمور وفق نصابها الحقيقي.