آخر تحديث: 19 / 4 / 2021م - 11:42 م

حب حتى الرمق الأخير

بدر شبيب الشبيب *

الثبات الانفعالي emotional stability يتجلى عند الإنسان في أوقات المحنة واشتداد الأزمات. فكثير من الناس يفقدون أعصابهم وعقولهم عند أبسط اختبار، ويظهر ذلك في ردود أفعالهم تجاه الحدث المعين الذي يواجهونه، فينفعلون معه انفعالا متصاعدا خارجا عن السيطرة والضبط. والقليل من الناس من يستطيعون إدارة مشاعرهم بوعي، ويتمكنون من تجاوز الابتلاءات والاختبارات الصعبة بنجاح، فيكسبون من كل تجربة مهما بلغ حجم التحدي فيها. قد يخسرون بعض الشيء هنا أو هناك، إلا أنهم لا يخسرون أنفسهم أبدا.

القوة النفسية أو قوة الشخصية تعبيران آخران عن الثبات الانفعالي الذي لا يعني موت الانفعال كما قد يفهم البعض، وإنما هو الانفعال الرشيد.

من يتتبع مسيرة الإمام الحسين نحو كربلاء وفي كربلاء نفسها، سيجده في كل خطوة من خطواته نموذجا فريدا في الثبات الانفعالي، يجسد الآية الشريفة «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ » خير تجسيد. ففي ساعة العسرة، وقبيل نشوب القتال، يتوجه إلى ربه في دعاء ينبض بالأمل والرجاء: اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، فكم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك وشكوته إليك رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه. فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية.

ونجد تجليات الثبات الانفعالي لديه في قمتها أيضا فيما وصلنا من كلماته التأبينية النضّاخة بالحب في بعض أصحابه وأنصاره. ففي أحلك الظروف وأحرج الساعات، لم ينسَ الإمام الحسين بعثَ رسائل حب قصيرة لمن وقفوا بجانبه وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيله. كان يمكن أن يُعتذَر له باستيلاء المصائب المتكاثرة عليه، وبالانشغال بالمعركة والقتال وحماية الأهل والعيال لو لم تبلغنا تلك الكلمات، وفي ذلك عذر بليغ. غير أنه أبى إلا أن يواصل مسيرته التي لا يخلو مقطع منها من سيرة حب فعلا أو قولا.

عند مصرع ولده علي بن الحسين الملقب بالأكبر، وقف عليه مؤبنا، مخاطبا إياه، وهو الشهيد الحي الفاعل المتفاعل. يقول له: قَتَلَ اللهُ قَوْماً قَتَلوُكَ، يا بُنَيَّ! ما أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللهِ، وَعَلَى انْتِهاكَ حُرْمَةِ رَسُولِ اللهِ، عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا.

ما أروعها من رسالة، وما أروع مسك ختامها «عَلَى الدُّنْيا بَعْدَكَ الْعَفا»، خصوصا وأنها صادرة من شخص لا يقول إلا صدقا، فهو من جده المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى، كما قال ﷺ: حسين مني وأنا من حسين.

وعند استشهاد أخيه وحامل لوائه أبي الفضل العباس عبّر له في حب عما أحدثه فراقه من أثر عظيم، قائلا له: الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي. ولا غرابة في ذلك، فقد كان العباس صاحب القرابة القريبة والمنزلة الخصيصة من أخيه الحسين، وخاطبه قبيل ذلك مفتديا إياه بنفسه الشريفة: يا عبّاسُ! ارْكَبْ بِنَفْسي أَنْتَ - يا أَخي!

أما ابن أخيه عبد الله بن الحسن، فإنه - كما تقول الرواية التاريخية - لما قُتل ضمه إليه، وقال له: يَا ابْنَ أَخي! اصْبِرْ عَلى ما نَزَلَ بِكَ، وَاحْتَسِبْ في ذلِكَ الْخَيْرَ، فَإِنَّ الله يُلْحِقُكَ بِآبائِكَ الصّالِحينَ.

وعند استشهاد الحر بن يزيد الرياحي وقف عليه ملقيا كلمته التأبينية الخالدة: أنت كما سمتك أمك، حر في الدنيا وسعيد في الآخرة. فما أسماها من كلمة تربط بين الحرية والسعادة الأخروية.

هذه نماذج من التأبينات التي نقلها لنا التاريخ، وهي تلهمنا الكثير من الدروس في الثبات الانفعالي وفي الإصرار على التعبير عن الحب مهما بلغ الموقف من تعقيد.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.