آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حراك فكري لمبتعث ينتهي بالخيبة

السيد ناصر الصاخن *

مبتعث رمى بنفسه إلى بلاد الغربة بعد أن عاش صريع المحال التي تُغلق أوقات الصلاة، رجا أهله وناسُه أن يرجع هذا المبتعث بعقل تلاءم مع البيئة التي تحترم الفكر والعلم، لكنّه أصبح خلاف ذلك، فهو سريعاً ما تُثار حميّته الموروثة والمحافظة بمجرد الحديث عن بلاده وما يريد أن يدخله من تطوير فيها كي تصبح أكثر طمأنينة وتقدم إلى الامام.

هذا المبتعث في كل خروجه من المنزل يرى امرأة تقود سيارتها، لا يوجد حولها ذئاب بشرية ولا قطّاع طرق يوقفونها بالطريق ينبحون ويلهثون، لطالما قرأ في الشبكة العنكبوتية السعودية عن أساطير الذئاب الوهمية حينما تلتقي بالفريسة أو المرأة. هذا المبتعث لا زال يُعاصر حراكاً فكرياً بدائياً، كريّات دمه البيضاء تحارب نفسه اللوامة بدل النفس الأمّارة، هل يجب أن تقود المرأة السيارة في بلادي؟ لا.. لا، لعل الذئاب أسطورة حقيقة لم تمت بعد..!

هذا المبتعث لا زال يؤمن بالخصوصية المحضة لكل المجتمع، فهو يرى أن بعض المجتمعات لا بأس أن تُستأجر المرأة فيها لبضع سويعات أو دقائق، لكن يجب ألا تخرج المرأة في بلادي من دون محرم للمطعم أو مركز الشرطة لتشكو أخيها أو زوجها، لا زال يُؤمن بأن ولادة المجتمع يجب ألا تتغير على ما هي عليه، فإن وُلدت المرأة بمجتمع يدفنها حيّة فلا يجب أن تمتعض وتضطجر، وكأن عقله أصبح نصفه وراثيّ أعمى والنصف الآخر توالت عليه عولمة مزيّفة، كل نصف من عقله يلعن الآخر.

هذا المبتعث حينما تحاوره عن الفروق بين الكويت والسعودية وكيف صارت المرأة فيه يغضب صارخاً: يا عمي مقارنتك مهضومة! الكويت يحدّها من الشرق الخليج ومن الشمال العراق، أما السعودية يحدّها غرباً البحر الأحمر. يبدأ بمحورة فلسفته وإثبات فكرته بالخروج بفروقات واهية متناسياً تقارب الأنساب مثلاً بين عوائل السعودية والكويت بالإضافة لرجوعهم لنفس القبائل أحياناً.

الابتعاث إذاً ليس هو الشيء الوحيد الذي يثير الأسئلة داخل المبتعث، ولا هو المحفّز دائماً لأن يختبر نفسه بشكل صارم لإيجاد الأسئلة حول كل مستشكل، هل هو فعلاً يؤمن بهذه الثوابت بأسئلتها وإجاباتها أم أنها كانت غباراً ما أسرع أن تلاشى بفعل قطرات ماء؟! لذا، فلو سافر المبتعث إلى بلدان أجنبية فلربما نسي عقله مدفوناً حين دفن بنيّة منذ زمن الجاهلية.

لا يغرنّكم يا عالم دائماً بعثة مبتعث، فالعقول هي أكبر من أن تحويها الأجسام في بلد دون آخر، العقول هي تلك التي تحوي العالم الأعظم حينما تفكر غير آهبة بالمكان المحيط بهذا الجسم سواء كان سجن أو بلد من الطراز الأول في التقدم، وصدق الشاعر حين قال: إذا كانت النفوس كباراً.. تعبتْ في مُرادها الأجسامُ.

سيهات