آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:49 ص  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات ممرضة: إجازة أمومة

حسين نوح المشامع

حميدة شابة في مقتبل العمر، ومع ذلك فهي ممرضة.. وزوجة.. وربة بيت.. وأم لأربع فتيات، مما يعني إنها - كما يقال - خمسة في واحد. وبناتها جلهن لم يبلغن سن المراهقة، ومازلن أطفالا يحتجن لرعاية قريبة ومستمرة.

وبوصول طفلتها الرابعة لدار الدنيا تغير وضعها وضعف أدائها، ولم تعد قادرة على القيام بمهامها المتعددة. خاصة وأن والدتها التي تساعدها في العناية بهن خلال غيابها، لم تعد قادرة على القيام بدورها كاملا، بعد أن هاجم المرض كل جزء من جسمها، ينهشه كما تنهش الدود أجسام الموتى.

لم تكن لتنام معظم لياليها، مما يمنعها من الاستيقاظ مبكرا، والذهاب لعملها في اليوم التالي. أما لتمنع ابتنها عن الاستسلام للنوم، لأخذها قسطا وافر من الراحة خلال النهار، أو لما ينتاب الأطفال الرضع من أمراض مختلفة من آونة لأخرى.

قررت البدء باستهلاك إجازاتها المتراكمة من السنوات السابقة ثم إجازات الأمومة، لتتمكن من القيام بواجباتها كأم وزوجة وربة بيت، دون التفكير في مهام عملها.

في احد الأيام وصلتها المحادثة التالية: -

- حميدة معنا؟ -

- نعم، من يحادثني؟ -

- أدرة شؤون الأفراد في المستشفى. -

- ماذا يمكنني أن أقدمه لك؟ -

- يتوجب عليك الحضور لإنهاء بعض الإجراءات. -

- لماذا سيدي، هل حدث أمر مهم أو طارئ يستوجب ذلك!؟ -

- عندما تحضرين ستعرفين التفاصيل، فالأمر يحتاج لشرح طويل ولن نتمكن من ذلك عبر الهاتف.

أغلق هو الهاتف من طرفه، وأخذت مخيلتها تأخذها في عدة اتجاهات، وصور لها عدة سيناريوهات، كسفينة في وسط بحر هائج. ومنها ما هو معقول ومقبول، ومنها ما هو خارج عن نطاق الاتزان.

حزمت أمرها، بعد أن استطاعت لجم زمام نفسها، وأخذت تبحث بجد عن من يأخذها لمقر عملها ويعيدها لمنزلها.

ورغم أنها ذهبت باكرا على عادتها، فلقد شاهدت في إدارة الأفراد عجبا، لم تكن عهده في عملها. فلقد حضر الموظفون بعد فترة ليست بالقصيرة من فتح أبواب مكاتبهم، وفجأة اختفوا عن الأنظار، كأنما دخلوا قمقم مارد.

انتظرت وهي وجلة مما سيحدث، كأنها في انتظار نتيجة اختبار. وخائفة على طفلتها التي تركتها مع أمها، من أن تستيقظ ولا ينتبه لها احد، فتبقى تصرخ لفترة طويلة.

فجأة خرج الموظفون من جحورهم، كما يخرج العفريت من قمقمه، وهم يحاولون إزالت ما بقي من دسومة على شفاههم.

دخلت مكتب أحدهم بعد أن انتصب على طاولته، ومضت فترة ليست بالقصيرة وحاسوبه يزمجر ويألم حتى بدأ في العمل. فسألته عن سبب طلب حضورها!؟

فأجاب وكأنه أسد يزأر ووحش يتلمظ لرؤية فريسة سهلة:

لقد تجمد حسابك لأنك لم تفعليه لفترة طويلة، وألغيت كل إجازاتك واعتبرت غائبة عن العمل دون إذن.

وضعت يديها على رأسها كأم فقدت جنينها، في محاولة التخفيف من الصداع الذي أصابها فجأة، والإمساك بصرخة مكتومة كادت تخرج مدوية من فيها.

سألته كغريق يتوسل: وما العمل الآن، ووضعي كأم لطفلة في شهورها الأولى يمنعني من العودة للعمل في الوقت الراهن!

أجابها بكل هدوء وهو يبتسم بخبث: سوف نفعل حسابك، ونطلب أوراق إجازاتك من إدارتك!

فتحت عينيها على وسعهما، كأنها خرجت للتو من غرفة مظلمة، ونظرت إليه بكل استغراب واستهجان، وقالت في نفسها دون أن تحرك لسانها: الم يتمكنوا من فعل ذلك دون أحضاري وإرهاق أعصابي!؟