آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام علي بن الحسين «السجاد»

علي حسن آل ثاني

السلام على سيد الساجدين وزين العابدين وامام الذاكرين واصبر الصابرين والذي بتلي بلاء حسنا بعد استشهاد ابيه الحسين وهو رابع الأئمة الأطهار وأحد من اوصلو واكملو رسالة النبي محمد بعد استشهاد ابيه الحسين.

وهو من بلغ في زهده وتقواه وصبره على البلاء مالم يبلغه احد. فهو صاحب تلك التحفة النادرة في تراث ال محمد وهو الذي وضع رسالة جده في روحه وكيانه ورغم مرضه الشديد الا انه اثرى لنا غذاء روحياً نستمد منه في جميع امور حياتنا فقد دافع عن نساء النبي وفضح اعتى ازلام بني امية في زمانه واكبر طغاتهم بخطبه وتحديه رغم ما يعانيه ويقاسية من الآلام كثيرة منها قتل ابيه وسبي نسائه واطفاله إضافة الى مرضه سلام الله عليه.

ولكن كان صلب الايمان قوي البائس حافظ على نساء الرسالة بجانب عمته زينب لقد تناول الكثيرون من اصحاب السير والعلماء والكتاب المنصفين من كل المذاهب الإسلامية شخصية الآمام علي بن الحسين العرفانية الروحية العظيمة.

وأنا لن أضيف شيئا وأنا الفقير بعلمي وثقافتي ومطالعاتي عما كتبه أولئك الكتاب المبدعين والعمالقة المنصفين الأفذاذ الذين قاوموا الانحراف ودعوات الحاقدين من النواصب أعداء آل محمد الذين ماتقر لهم عين الا ان يخفو تاريخ آل محمد فبعد هدم القبور يحاولوا ان يخفوا كل المناقب والصفات الطيبة لآل المصطفى، عن عيون الخلق وينسبونها إلى غيرهم نتيجة عمى البصر والبصيرة الذي أصيبوا به على مر الزمن وهاهم اليوم في أشد حالات حقدهم ولؤمهم وانحرافهم وسقوطهم المحتوم إن شاء الله وخاصة بعد ان اخذ التشيع ينتشر في جميع انحاء العالم.

وما دعواهم الظالمة والتكفيرية الحاقدة اللئيمة إلا جزء من حربهم المستمرة على آل البيت ومحبيهم ومواليهم بحجج تافهة لاتستند على مبدأ ولا تثبت على دليل.

ولو حاولت بقلمي المتواضع سرد علم هذه الشخصية العظيمة وتراث هذا الامام الذي تركه لنا فهو قطرة من البحر الإيماني المتدفق لهذا الأمام وسوف اجد نفسي مقصرا جداً. أن سرد سيرة هذ الامام وما لقاه في عهد ظلم بني أمية بعد استشهاد الحسين هو فتح صفحة مشرقة وعظيمة من صفحات التأريخ الإسلامي فهو الذي حمل أمانة نشر أبعاد الثورة الحسينية الخالدة التي شهدها بكل أبعادها المأساوية من قتل والده وسبي النساء وهو الذي رأى بأم عينيه كيف ذبح سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة ووضع رأسه ورؤوس عترة المصطفى على الرماح تنقلهم من بلد إلى بلد على أيدي أعتى وأرجس وأرذل أهل الأرض من مرتزقة يزيد بن معاوية لعنه الله وأمثال عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد وشمر بن ذي الجوشن وجميع حثالة مجتمع ذلك العصر وغيرهم الذين سودوا وجه التأريخ بأفعالهم الشنيعة وجرائمهم المنكرة بحق خيرة أهل الأرض بعد رسول الله آن ذاك.

الإمام زين العابدين بما منحه الله من علم إيماني هائل وقوة فكرية متدفقة أن ينقل وثيقة الأدانة الجرمية الكبرى التي تدين يزيد وأتباعه بحق حفيد الرسول الأعظم وأهل بيته وذريته. وهو ذلك الخطاب الخالد الذي ألقاه في قصر يزيد والذي به عر يزيد وفضحه بين الملأ وكشف الغشاوة عن قلوباً كانت مريضه ومخدوعة بآل امية وحكمهم الجائر المزيف بالمادة فقد خدعتهم وضللتهم الدعاية الأموية بما تمتلكه من أمكانات مادية هائلة وأعوان متعسفين لا يعرفو الا بشرب الدماء وارقتها وضعف بعض الطبقات الغنية من الخوف على ثرواتهم من أن يستخف بها يزيد ويحرمهم منها بعد قتلهم.

فاستطاع الإمام في تلك الحقبة التأريخية المظلمة بظلم بني أمية وأعوانهم أن يحصر المجرم الطاغية يزيد في زاوية ضيقة لا يحسد عليها وبذلك الخطاب انتصر دم الحسين على سيف يزيد عن طريق الإمام السجاد الذي أبقاه الله ليكون شاهدا على تلك الجريمة الكبرى التي لن تمحو بشاعتها مئات القرون.

قد عاش الإمام علي بن الحسين بعد استشهاد أبيه الحسين الشهيد أربعا وثلاثين سنة وهي مدة أمامته وعاصر خلافة يزيد بن معاوية ومن بعده من خلفاء بني أمية لعنهم الله جميعا..

لقد برز دور الإمام علي بن الحسين كإعلام متنقل في عصره وفي تلك المحنة التي كانت تعيشها أمة جده وكان بدوره ينبه لتلك الأخطار والمحن التي تعصف بالأمة نتيجة الحكم الأموي الفاسد والمنتهك لكل الحرمات والقيم الاسلامية وكان لديه نشاطا فكريا وعلميا مكثفا عندما وصل مدينة جده سلام الله عليه وليس في المدينة المنورة ومكة المكرمة فحسب بل في الساحة الأسلامية برمتها آن ذاك.

فكان سلام الله عليه طيلة فترة حياته قد انشغل بالعبادة والدعاء فقد ترك لنا ثروة اسلامية وعلمية يستطيع العالم الان ان يقتدي بها لما تحمله من رسالة اسلامية وفكرية وروحانية وثقافية وتشمل كافة حقوق الانسان. لقد عرف سلام الله عليه بروحانية الدعاء فقد بلور لنا بمكتبة روحية وعرفانية متجلية في الصحيفة الساجدية المشهورة بالدعاء والمناجات التي تزود الروح بالغذاء الروحي والمعنوي فهي للروح وللجسد لما تحتويها من عنصر يقربك الى الله بروح عرفانية وكانك قريبا جدا من الله انها تنقلك الى عالم الروح العرفانية والى عالم رحب يشعرك بأنك في الجنة وبين يدي الخالق تخاطبة بتجلي وخشوع حتى لقبت تلك المكتبة «بزبور آل محمد» .

كما لاننسى رسالة الحقوق فهي قد تركت لنا رسائل قيمة لما تحملة من ابعاد إنسانية تربطك بعلاقة مع النفس الاخرى فقد تفوقت بما جاء بها من رسائل انسانية وروحية واخلاقية فمن تمعن في قرائتها واخذ بمحتاواها وفيها من معاني سامية واخلاقية وتربوية لسعد الانسان والعالم بأسره بعدلا وحياة كريمة. ولو ان هذه الرسالة درست في جامعات العالم لانبسط العدل والمساوة بين الناس دون تميز في نسب او عرق فهي تحمل بعدا انساني واخلاقي وثقافي وفكري وطبي وتربوي وتعطي للانسان حقوقه من دون ان يظلم او يتظلم.

هذا هو امام الساجدين والذي لقب بهذا القب لكثرة عبادته وسجوده وتواصله مع الله سبحانه وتعالى انني لا استطيع حصر تاريخ هذا الامام العابد الساجد الصابر والمجاهد في سبيل الله لما يحتويه تاريخه الزاهر بالعلم والتقى. فقد روى عنه ابنه الباقر والذي كان معه في محنته وهو الذي كان يتابع سيرة ابيه حيث روى لنا وقال «أن أبي علي بن الحسين ماذكر نعمة من الله عليه ألا سجد ولا قرأ آية من كتاب الله عز وجل فيها سجود إلا سجد ولا دفع الله تعالى عنه سوء يخشاه أو كيد كائد إلا سجد ولا فرغ من صلاة مفروضة إلا سجد ولا وفق لإصلاح بين اثنين إلا سجد وكان أثر السجود في جميع مواضع جسده فسمي بالسجاد».

اما في عطائه فكان سلام الله عليه رؤفا عطوفا على الفقراء والمحرومين واليتامى فكان يخرج ليلاً في الظلام حاملا جرابة على ظهره دون ان يراه احدا فيطعم بما اتاه الله من زاد ومال الى الفقراء والمحتاجين في مدينة جده حتى بعد ان وفاه الاجل افتقده كثيرا من الفقراء والمحتاجين. فهذا هو سيد الساجدين وزين العابدين ومن سلالته انحدر نسل رسول الله ﷺ وبه ختم حجة الله في ارضه.

اللهم صلي على علي بن الحسين سيد العابدين الذي استخلصته لنفسك وجعلت منه أماما للهدى يهدي بالحق وطهرته من الرجس وجعلته هاديا مهديا اللهم فصل عليه أفضل ماصليت على أحد من ذرية أنبيائك حتى تبلغ به ماتقر به عينه في الدنيا والآخرة أنك عزيز حكيم بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين.

لقد توفي الأمام زين العابدين في الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام سنة 84 هـ بعد أن دس له السم من قبل اللعين الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع قرب قبر عمه الحسن وقد ناهز السابعة والخمسين وقيل التاسعة والخمسين من عمره الشريف والذي اثرى بعلمه مكتبات العالم الاسلامي.

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين سلام الله عليهم جميعاً.