آخر تحديث: 22 / 7 / 2019م - 11:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعددية والوحدة.. أية علاقة

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

ثمة أفكار ونظريات ومشروعات عديدة، تستهدف إنجاز مفهوم الوحدة بين المسلمين.. ولاعتبارات عديدة لسنا بصدد ذكرها الآن، فإن أغلب هذه النظريات والمشروعات، تتعامل مع حقيقة التعددية بكل حمولتها الثقافية والاجتماعية، بوصفها مضادة إلى مشروع الوحدة والإتحاد بين المسلمين.. وهذا المقال ينطلق من قناعة مختلفة، مفادها إن صيانة حقائق التعددية في الاجتماع الإسلامي المعاصر، وإدارتها على نحو سليم، هو الخطوة الأولى في مشروع بناء الوحدة بين المسلمين.. فلا بداية حقيقية لمشروع الوحدة والائتلاف بين المسلمين، بدون احترام مدارسهم الفقهية واجتهاداتهم المذهبية..

لأن النبز والتنابز والاضطهاد وكل عناوين ومفردات التضليل والإخراج من الملة، لا تفضي إلى وحدة، بل إلى تحاجز وتصادم بكل صنوفه..

فالوحدة السليمة هي التي تبدأ من الاعتراف بالآخر وجودا وفكرا، لا للانحباس المتبادل، وإنما لانطلاق فعل تواصلي - حواري، ينمي المشتركات، ويحدد نقاط المغايرة، ويسعى نحو مراكمة مستوى الفهم والاعتراف..

كما أن الاختلاف المشروع، هو الذي لا ينقطع أو ينفصل عن مفهوم الوحدة، وإنما يجعل من الاختلاف في المواقع والقناعات، وسيلة لانجاز المفهوم الحضاري للوحدة، القائم على احترام التنوع ومراكمة قيم التسامح وحقوق الإنسان في المحيط الاجتماعي.. فحضور الوحدة مستمد من غياب التشرذم والتشتت، وأي محاولة لمساواة الاختلاف مع التشرذم والتشتت، لا تفضي إلا إلى المزيد من بعدنا جميعا عن التطلع الوحدوي بمستوياته المتعددة..

ومن هنا ندرك أن من الأخطاء الفادحة، والتي دفع الجميع ثمن باهضا بسببها.. هو النظر إلى مفهوم الوحدة، على أساس أنه يعني غياب أو تغييب التنوعات والتعددية والآخر.. إذ عملت قوى الوحدة وسلطاتها، على إفناء كل التنوعات، وممارسة القهر والاستبداد تجاه كل مستويات التعدد، مما أدى إلى اهتراء حياتنا المدنية والسياسية، وبعدنا كل البعد عن إنجاز مفهوم الوحدة السليمة القائمة على مشاركة الجميع في اجتراح وقائعها وحقائقها.. وإن الوحدة الحقيقية تتجسد، حينما نخرج من سجن أنانيتنا، ونعترف بحقوق الآخرين، ونبدأ بتجسيد مبدأ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»..

وإن القهر لا ينتج وحدة، وإنما تشتتا واحتقانا وتوترا، كما أن التعدد والتنوع المعرفي والسياسي المنضبط بضوابط القيم الإسلامية العليا، هو الذي يؤسس لحالة وحدوية فعالة ومستديمة، وذلك لأنها مفتوحة ومتواصلة مع جميع القوى والتعبيرات السياسية والمجتمعية..

وإن إبطال تأثيرات التجزئة التي يعاني منها الواقع الإسلامي المعاصر، بحاجة إلى جهود مكثفة وأنشطة متواصلة، تؤسس لقيم الوحدة، وتعمق في الواقع حقائق التضامن والاتحاد، وتزيل كل الرواسب التي تحول دون تراكم الفعل الوحدوي في الأمة..

من هنا فإننا نرى، أن مشروع الوحدة في الدائرتين العربية والإسلامية، لا يعني نفي الاختلافات القومية والأثنية والمذهبية، وإنما يعني احترامها وتوفير الأسباب الموضوعية لمشاركتها الإيجابية في هذا المشروع الحضاري الكبير، الذي يستوعب الجميع، كما أنه بحاجة إلى مشاركة الجميع في إرساء قواعد المشروع الوحدوي في الأمة..

وذلك لأنه في زمن التخلف والانحطاط، تنمو الانقسامات وتزرع الأحقاد وتربى الإحن، فالاختلافات المعرفية والفقهية والاجتماعية والسياسية، ينبغي أن لا تدفعنا إلى القطيعة واصطناع الحواجز التي تحول دون التواصل والتعاون والحوار.. وذلك لأن الوحدة الداخلية للعرب والمسلمين، بحاجة دائما إلى منهجية حضارية في التعامل مع الاختلافات والتنوعات، حتى يؤتي هذا التنوع ثماره على مستوى التعاون والتعاضد والوحدة..

والمنهجية الأخلاقية والحضارية الناظمة والضابطة للاختلافات الداخلية، قوامها الحوار والتسامح وتنمية المشتركات وحسن الظن والإعذار والاحترام المتبادل ومساواة الآخر بالذات..

هذه المنهجية هي التي تطور مساحات التعاون وحقائق الوحدة في الواقع الخارجي.. فالوحدة لا تفرض فرضا ولا تنجز بقرار أو رغبة مجردة، وإنما باكتشاف مساحات التلاقي، والعمل على تطويرها، ودمج وتوحيد أنظمة المصالح الاقتصادية والسياسية كما يذهب إلى ذلك المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين..

ومن الأهمية بمكان أن ندرك، أن وحدة مصادر العقيدة والأحكام، لم يلغ الاختلافات بين المسلمين، وذلك لاختلافهم في مناهج النظر والاستنباط..

وفي هذا التعدد والتنوع في مناهج النظر إثراء للمسلمين في مختلف الجوانب، ولا ضرر نوعي لهذا التنوع على المستوى النظري أو العملي.. ولكن الضير كل الضير، حينما يفضي الاختلاف خلافا وقطيعة وخروجا عن كل مقتضيات الأخوة الدينية والوطنية، وسيادة هوس التعصب الأعمى.. قال تعالى «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين» «سورة الأنفال، آية 46»..

فالإنسان الوحدوي حقا، هو ذلك الإنسان الذي يحترم خصوصيات التعبيرات الثقافية والسياسية، ويسعى نحو توفير الأسباب الموضوعية لمشاركتها في بناء الأمة وتطوير الوطن.. ف «الإنسان الذي يعيش الوحدة هو الذي يحترم خصوصية صاحبه كما يريد من صاحبه أن يحترم خصوصيته.. عندما تكون وحدويا، فإن عليك أن تفتح المجال لتحمي حرية صاحبك بأن يقول ما يشاء، تحميه من كل عواطفك وانفعالاتك، تحميه من كل ذلك وتقاتل في سبيل حريته، لأن الآخر إذا استطاع أن يأخذ حريته في أن يعبر عن فكره بصراحة، فمعنى ذلك أنك تستطيع مناقشة أرائه، كما يستطيع هو مناقشة آرائك، لا أن تحجب حريته عنه ويحجب حريته عنك، وبعد ذلك تختبئان في زاوية المجاملة، وتنتهي القضية بنقطة مقابل نقطة، أو أكثر من ذلك، ويتفرق بعدها المتفرجون، ويرجع كل لاعب إلى مكانه» «راجع أحاديث في قضايا الاختلاف والوحدة، ص 289»..

فدحر التنوعات والتعدديات، لا يؤدي إلى وحدة، وإنما إلى شرذمة وتفتت متواصل، يغذي كل النزعات الانفصالية والكانتونية بكل عنفها وعقدها وتشابكاتها.. فالوحدة بين المسلمين، لاتبنى على أنقاض مبدأ الاجتهاد وتنوع الآراء والقناعات، وتعدد اطر الاستنباط واستنطاق النصوص الشرعية. وإنما تبنى على أسس صلبة، إذا تم احترام مبدأ الاجتهاد ومقتضياته ومتواليا ته الشرعية والمعرفية، وإذا تمت إدارة التنوع والتعدد على أسس ضمان حق الاختلاف مع ضرورة المساواة. فالوحدة لاتساوي تصحير الحياة الاجتماعية والعلمية، وإنما تبنى بعملية استمرار الثراء العلمي والمعرفي. فالعلاقة بين التعددية والوحدة، هي علاقة عميقة. ولايمكن أن ينجز مشروع الوحدة بين المسلمين بعيدا عن حقائق التعددية وضرورة احترامها وصيانتها. فلا سبيل إلى وحدة المسلمين، إلا بحماية واقع التعددية المذهبية والفكرية في الاجتماع الإسلامي المعاصر.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».