آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

نصوص غاضبة في مجموعة «قد يحدث هذا الفراغ مرتين»

شمس علي صحيفة الجزيرة

تفيض نصوص «قد يحدث هذا الفراغ مرتين» الجديدة للشاعر عبدالله العثمان بكم من مشاعر الغربة، التململ، الضجر، الغضب، إضافة إلى النزوع لمرتكزات عالم الطفولة وما يرافقها من أخيلة وأحلام. وتتوسل النصوص آلية الفضفضة العبثية، للتعبير عن مشاعر فطرية دون وجل عبر نصوص تتمحور حول الذات.

فالكتابة هنا قدر كما أنها خلاص، وهي أيضا فعل «فلاح مستعار، أتدبر أمر حديقتي بالكتابة»، ويأخذ التعريف بالمؤلف في المجموعة بعدا تصويري، يعزز من حضور الذات، ويمسرح قلقها الوجودي.

ويكشف الإهداء «إلى.. بندول نايت طالما أعانني على هذا الاحتمال»، وهو نوع من الدواء المساعد على النوم، عن أزمة التعاطي مع مفردات الحياة، ومساحة التحرر من تقليدية المشاعر، ومحاولة كسر بعض صيغ الواقع.

وتطالعنا نصوص المجموعة في قسمين: «تمارين لإطالة مفاصل البلادة»، و«إقتباس لعلامة تخص دينصور»، وتحت العنوان الأول نقرأ عددا من النصوص الغاضبة، المتململة، المكتظة بملامح التردد والخوف المجاني، الرازحة تحت وطأة الشعور بالوحدة والإغتراب، فيما تطالعنا نصوص القسم الثاني بمشاعر خليط، بين القلق، الوحدة، العزلة كخيار عصري، وجميعها تأتي في سياق التأكيد على شرعية الذات.

ويأتي نص «الهرب بنصف خوذة»، ليعري احتقان النفس وما يجيش داخلها من غضب مكبوت باحثا له عن متنفس، إذ تحيل صورة قتل العصفور لإحدى وسائل التعبير الطفولية المفعمة بالقسوة، كما تحيل لسلوك بشري يتمثل في الميل لتفريغ شحنات الغضب في الكائنات الأضعف: «سأقتل عصفورا في هذا اليوم لأبتكر طقسا يشبه لون القيامة في عشاء دافنشي الأخير. لأحسب كم يحتاج من الوقت لأنزف الغضب الباقي من يوم الجمعة وأخرج»، حيث تفريغ الغضب يأتي كمعادل للاحتمال واستيعاب «الشيخوخة وتأخر الذاكرة كل مرة عند أبي»، وحيث الحقيقة أحيانا بحاجة لصيغة أخرى لتستوعب، كما أن فعل الضحك يحتاج لمبرر لاجتراحه.

وتأخذنا ثيمة الغضب للنص الثاني في المجموعة «أكثر من السعادة»، والذي يتوسل في جميع مفاصله صيغة التفضيل: «أكثر من غضب الخمرة بسبب لون الكأس»، كما نلحظ الإحباط المستشري في مفاصل النص «أكثر من أي شيء مضى وغير متوقع بنهاية سعيدة. أكثر من الضحكة التي تعرف مقاس سوادها»، كما يقول في مقطع آخر «أكثر من العاطفة المصوبة لخردة لجدار لصندوق أسود لما تبقى من فتات. أكثر من سادية القلب وضرورتها الآن»، وتأتي خاتمة النص لتلعب على وتر المباغتة «، أكثر من كل ما قيل أعلاه. أفتقد قميصي البرتقالي بشدة».

ولأن الإحباط قد يقود لاستباق النتائج يأتي النص التالي بعنوان «نتيجة سابقة:» لا أتأمل، جاهدا، أصرف هذا التركيز بالتذكر لتسديدة ميلو الأخيرة، هو طريق HD صافي الإخلاص لكآبتي، تأملت جزيرة في ريو فقادتني لنتيجة سابقة «، كما تتسرب عبر النصوص تعابير وأخيلة أفلام الأنمي والرسوم المتحركة كما في هذا النص» تأملت المشتبه يسحق أبطاله «، وتتجلى بشكل جلي هذه التعابير والأخيلة الفنتازية، الكاريكاترية من خلال عنوان النص التالي «سأقفز من علبة بيبسي»، والذي يقول فيه «سأقفز من علبة بيبسي، ربما أسميها محاولة لرصد المسافة وسيرتي الذاتية، والرغبة التي لم تتجاوز مشاهدة فيلم قصير صامت».

وتفرض مفردات الوحدة، القلق، الخوف، أجواءها على النص في محاولة لكسر السائد، وإن تم تصويره عبر مشهد فنتازي ساخر «أنا خائف جدا... سأقفز من علبة بيبسي، ومسافة ما قبل السقوط تكفي، لأتحقق من هواجسي ومصيري من العالم هذه اللحظة تماما». أما الخاتمة فتأتي لتعزز من الحضور الفنتازي الساخر لفكرة النص «سأقفز من علبة بيبسي، لكني أخاف القفزة، وأخاف أن تتجمد عروق رأسي، وأموت من الربكة أو التذكر».

وكأن السياق أخذ يستمري الإنسياق وراء اجتراح مزيد من الأخيلة الفنتازية التي تطالعنا عبر نص «لو» والذي يقول فيه «لو فتحت فمي الآن لسقط حصان على قدمه، لو فتحت فمي الآن لاتضح لون عرق حذائي»، ويعاود هاجس الوحده والخوف تردده: لو فتحت فمي الآن لما اضطررت إلى معرفة قياس «لو» في بقعة زيت حزينة، ولم أخف أن انتهي بشكل واحد».

وتعود لتطل من جديد أزمة الاغتراب عن الكون، الوحدة، الوحشة، محورية الذات عبر نص «رسالة»، ولأن الكتابة خلاص يقول «وثمة أمر يدفعني للكتابة لتخفيف ضغط هواء والبحث عن كسل أكثر مثابرة لإنهاء الوظيفة والبقاء ليوم كامل على علبة مثلجة من الآيس تي».

وفي نص «نملة3D»، تعلو نبرة روح الفنتازيا والأنمي وفيه يقول: «ينحدر من بين أصابع أقدامي المطر والضحية نملة. أغير حركة القدمين أنحني بوجهي لأسفل، الظل يشبه الذات في لحظة أكيدة من الألم. أشاهد نملة تطلب النجدة ملوحة بقميصها الأبيض».

وفي الوقت الذي يتم تطعيم النصوص الأولى للمجموعة بمعاني العزلة، الوحدة، فإن تلك المعاني تحضر بشكل أكثر بروزا من خلال عناوين بعض نصوص ا لقسم الثاني، مثل: «غرفة وحيد»، «البنت الوحيدة». وفي نص «أنا هنا» وأحمد يتأمل بطنه وأنفه ويطل في عينه داخل كأس الشاي، ليتأكد بأنه لم يتحول بعد لشخصية كرتونية»، يفصح عن ارتباط وثيق بعالم الرسوم المتحركة والأنمي. وفي نفس النص يقول: «وأنا هنا في موقف تسلل، وحيدا.. «نص» عزلة تامة برفقة سلحفاة»، ولأن الثيمة الأكثر حضورا تتراوح بين الغضب والوحدة «فإن ثيمة الغضب تعود أيضا عبر نص» إلى بوكوفسكي» سألت الرجل الذي فقد عينه من الغضب.. سألت مجنونا قبل أن يفقد أعصابه».

وبشكل عام يلحظ أن الجو العام لنصوص المجموعة الصادرة حديثا عن نادي أدبي الشرقية يتراوح بين حدة المزاج، والسخرية من الواقع، والغضب، والشعور المتفاقم بالوحدة والغربة وربما هذا ما يجعل الفرار لعالم الفنتازيا والأنمي أكثر جاذبية من الواقع، وربما لذات السبب أيضا، قد يحدث هذا الفراغ مرتين، نتيجة المراوحة بين العالمين.