آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صوت مانديلا الداخلي

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

ما المعيار الحقيقي لأن يتثبّت المرء أن قدمه على الطريق الصحيح؟

هل هو الإصغاء للنداء الداخلي العميق والاستجابة لتوجيهات العقل الناتجة من عمليات تفكير وتحليل منطقي؟ أم تأييد جماعة كبيرة من الناس هو المعيار الحقيقي؟

هل حُكم الآخرين وتصنيفاتهم هي الصورة الحقيقية التي ترسم ظلالا متوافقاً مع قامة الأشخاص وطولهم الحقيقي؟

أو العودة لمرجع وإرث ثقافي أو اجتماعي يكون مقياساً حيادياً عادلاً.

إن عقل الإنسان لا يمكن له بأي حال أن يدرك حقيقة الأشخاص حقيقة مطلقة كاملة الأبعاد. لأنه يقيمهم حسب مؤشرات معقدة من معلومات متشابكة ناقصة الجوانب يقارنها الدماغ بقائمة ثابتة من منظومتي «الخطأ والصح» المتغيران حسب الزمان والمكان والثقافة. فما هو خاطئ في زمنٍ ما قد يكون صوابا في زمن آخر حين تتوسع الرؤى وينكشف العقل البشري على زوايا جديدة في التفكير كانت غائبة أو مُغيبة عنه. لهذا ما أسهل أن ينخدع العقل البشري وقد يتوه في تقييمه للآخرين.

ألم تمر في تجربة قارئي العزيز أنك تعيد تقييم من حولك وتكتشف أنهم خلاف ما كنتَ تعتقد؟ هذا طبيعي جداً وحاصل على المستويات الإنسانية حتى السياسية منها.

فمانديلا الذي حضر حفل تأبينه رؤساء العالم، وأعضاء من عائلات ملكية، وممثلو ووزراء وأعضاء حكومات متعددة ومشاهير على مستوى العالم. مانديلا الذي كان تأبينه مثار اهتمام عين العالم كله كان ضمن قائمة الإرهاب العالمية لأكثر من ثلاثين عاماً!!

وقد وصفت رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت تاتشر المؤتمر الوطني الذي يتبعه مانديلا في 1987 على أنه «منظمة إرهابية نموذجية»، رافضة تطبيق عقوبات على نظام جنوب أفريقيا العنصري، كما أن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان فعل نفس الأمر!

هذا كان قبل أن تغسل أمريكا عارها عام 2008 حين وقع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وثيقة لإزالة اسمه من قائمتها لإرهابيي العالم. بعد أن أقر مجلس الشيوخ الأمريكي قانونا لذلك.

إذا أمريكا التي وضعته على قائمة الإرهاب هي نفسها التي تحتفل به كأيقونة حقوقية كبرى ورمز للنضال والكفاح الطويل من أجل القبض على حقوق شعب جنوب أفريقيا. العالم الذي طارده وألقاه في ظلام السجن 27 عاماً هو ذاته الذي يكافئه بجائزة نوبل للسلام!!.

عودة للسؤال إذا.. هل تقييم الآخرين هو المعيار الحقيقي عن قيمة المرء؟.

مانديلا في رأيي حين سار في طريقه الطويل نحو الحرية كان يستمع لنداء عقله وإشارات وجدانه، ففي حين كان مجرما في نظر الآخرين «محبطيه وأعدائه» كان يدرك حقيقة أنه على حق!