آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 1:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لا سهل إلا ما جعلته سهلاً

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

ليس هناك أكثر إدهاشاً من الوضوح!

هذه العبارة تنفع لأن تمثل الرؤية الحديثة للحياة اليوم. بعد أن ختم العالم درس الغموض على أعتاب القرن الماضي، وبدأ بتهجئة لغة الوضوح والبساطة وتذوقها وفهم علاقتها بالعصر.

ليس فقط على ظلال الأدب وآخر أوراق أدونيس وبيضون وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وعقل عويط وغسان مطر وغيرهم ممن تفننوا في تقنيع الكون بأقنعة العبارة المواربة وسرقة الواقع لحساب الغموض والكمون والاختباء. إنما هذه هي فلسفة الحياة اليوم حتى على صعيد التقنية. ستيف جوبز مثلاً في طريقِه لخلق علاقة بين البشر والأجهزة سعى لفهمٍ آخر لأسلوب تصميم الأجهزة لتكون جزءاً من يومياتنا، لذاك كان يحث موظفيه بأن يفكروا بذهنية الإنسان البسيط العادي وليس بذهنية المحترف والتقني.. سر نجاح ستيف جوبز كان بسبب تفكيره الذكي والسلس ونأيه عن التعقيد، سيرا على المقولة المعروفة: لا تفكر ملياً، فكر بذكاء. [think smart not hard].

بيكاسو قبل أن يحمل الفن التجريدي على كتفيه ويصبح علامة فارقة في هذا الفن. رسم حيوان «الثور» بعدة خطوط محدودة، مما لفت أنظار العالم له وليعبر بوابة التاريخ بواسطة التكعيب الذي أعطى الحياة بُعداً أقل تعقيدا مما كان عليه في مذهب التصوير والسريالية.

هكذا.. وبهذا المفهوم الحديث للعلاقة بين الدماغ والرسالة الموجهة له، التي كلما كانت واضحة ومختزلة وخاطفة، اتخذت الحياة شكلا جديداً، سريعاً وواضحاً. حتى العبارات الإعلانية الموجهة للعابرين في الطرق أصبحت أكثر يُسراً باستخدام اللهجات المحكية ولقطات من مفاصل الحياة اليومية.

ولكن في زخم الأسلوب الحديث للحياة نبقى نحن أبعد ما نكون عن اللحاق برحلة العالم نحو الحضارة. وخصوصا في حياتنا الاجتماعية وبالتحديد في تواصلنا وحواراتنا اليومية. فهناك فهم خاطئ متجذر في التفكير المجتمعي عن الطريقة الأمثل للتواصل متمثلة في أنه كلما كنتَ صعباً ومعقداً كلما كنت جذاباً ومهاباً!!. لأن هذه الصورة مردها إحساس الفرد الدائم أنه جندي في معركة إثبات الوجود وأن عليه مكافحة سهام الاتهامات من حوله. إن فكرة التهمة والدفاع هي أكثر الصور الذهنية تعقيدا في التواصل بين البشر. ومن رأيي أن أول الحلول لجعل حياة من حولنا يسيرة وتضاعف من رفاهية المجتمع وسعادته هو أن تشطب فكرة «التهمة/ الدفاع» ونرسم بدلها آليات أفضل كالدعم والنكتة وكلمات المودة وتبادل عبارات التفهم والثقة واللطافة بين أفراد المجتمع. ماذا لو فكرنا منذ هذه اللحظة في أفضل الطرق لجعل حياتنا وحياة من حولنا يسيرة وسلسلة. وقبل هذا لنطرح سؤالا جاداً: هل أنا سهل أم مُعقد؟