آخر تحديث: 15 / 11 / 2019م - 5:52 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لماذا نجح مانديلا وتعثر عرفات في كفاح الفصل العنصري؟

يوسف مكي صحيفة الوطن

رغم انتصار كفاح جنوب أفريقيا في القضاء على الفصل العنصري، فإن الكفاح ضد التمييز لم يسدل الستار عليه في كثير من البقاع، ليس آخرها ما يمارسه الصهاينة، بحق الفلسطينيين، منذ تأسيس الكيان عام 1948. الجامع المشترك، لأنظمة الفصل العنصري، هو وجود مستوطنين أوروبيين، كثمرة لاحتلال جيوش بلدانهم للمناطق المستهدفة. وقد أكدت التجارب التاريخية، أن ليس هناك نمط واحد يمكن اعتماده في مواجهة حالات الفصل العنصري. فمانديلا خاض كفاحه مستلهما من تجربة غاندي بالهند.

حقق مانديلا استدارة كبيرة من الكفاح المسلح، إلى النضال السلمي. فقد اكتشف أن التوجه السلمي كلفه في الأرواح أقل بكثير من حمل السلاح. إنه أيضا يكشف الجانب الأخلاقي لحركته، من خلال الحرص على أرواح المدنيين. ومن جهة أخرى، يعري عنف نظام الفصل العنصري، ويسهم في خلق مناخ دولي مناصر لحق السكان الأصليين في التخلص منه.

في فلسطين، لدينا أنموذج مغاير تماما عن حالة جنوب إفريقيا. الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، رسخ وجوده بتأييد من القوى الكبرى. ومع تصاعد الهجرة اليهودية لفلسطين، إثر وعد بلفور، وتبني الصهاينة سياسة الطرد والتشريد للسكان الأصليين، تضاءل وجود الفلسطينيين في بلادهم، وتحول بقية من تمكنوا من البقاء في أرضهم، أقلية وسط المستوطنين الصهاينة.

لم يكن ممكنا لهذه الأقلية، أن تخوض كفاحا فاعلا، بعد ترسخ وجود الصهاينة، وأصبحوا يشكلون أغلبية السكان. ولذلك انطلق الكفاح الفلسطيني المسلح، من مخيمات اللاجئين بالأقطار المجاورة، الأردن وسورية ولبنان. وحين حوصر هذا الكفاح، سارت الثورة الفلسطينية في خطين متوازيين: تراجع الكفاح المسلح، لصالح التسويات، والقبول بدولة على جزء من الأرض، وليس كل فلسطين التاريخية.

لماذا نجح كفاح جنوب إفريقيا، في إنهاء الفصل العنصري، بينما فشلت الثورة الفلسطينية، بقيادة عرفات في إنجاز مشروع التحرير؟ انطلقت الثورتان، في حقبة متقاربة، وتبنتا إستراتيجية الكفاح المسلح لتحقيق أهدافهما، ثم اتجهتا لاحقا للحلول السياسية. ورغم هذا التشابه، فإن جملة من العوامل، أسهمت في تعثر الثورة الفلسطينية، ولم تمكنها من تحرير فلسطين، فيما تمكنت الثورة في جنوب إفريقيا من إنجاز أهدافها.

الخاصية التي تميز الكفاح المسلح، أنه الأقل مساومة، في حين تتطلب الحلول السياسية تقديم تنازلات من قبل الغرماء الضالعين في الصراع. ويكون لموازين القوة القول الفصل في نتائج المفاوضات. فليس من المتوقع أن يقدم الخصم تنازلات مجانية لغريمه من غير مكاسب. وذلك ينسحب على الثورتين الإفريقية والفلسطينية، على السواء، خاصة إذا لم تلحق بالمحتل خسائر تجبره على تقديم التنازلات.

الثورة الفلسطينية، ولدت بالمنفى، وعمودها هم اللاجئون. إن انطلاقها من المنافي هو العامل الأول في ضعفها، لكنها مجبرة على ذلك. فالضفة الغربية والقدس أصبحتا جزءا من الأردن، وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. ولم يكن متوقعا من البلدين أن يسمحا للمقاومة بالعمل ضد «إسرائيل» من أراضيهما، لأن ذلك يعني دخولهما في حرب مباشرة، ضد العدو، لم يكونا جاهزين لها. فكان على المقاومة الفلسطينية اختيار الحلقات الأضعف، للعبور إلى الأراضي المحتلة وشن العمليات العسكرية ضد العدو.

لم يكن بإمكان المقاومة الانطلاق من الأراضي التي احتلت عام 1948. فالفلسطينيون هناك أقلية محاصرة، ولم يكونوا موضوعيا في وارد حمل السلاح ضد العدو. وكل ما يطمحون له تأكيد هويتهم وثقافتهم الفلسطينية، من خلال المؤسسات المدنية والتشريعية التي أسسها العدو.

في جنوب إفريقيا، يختلف الوضع. فالأفارقة هم الأغلبية والمستوطنون الأوروبيون بقوا أقلية. وحين كان المطلب هو طرد المستوطنين من البلاد، كانت تهم الإرهاب تلصق بالثوار، ووجدوا من الصعب تعاطف الآخرين مع مطلبهم. وحين انتقلوا للحل السياسي تبدل الموقف لصالحهم.

على الجانب الفلسطيني، حدثت نكسة يونيو1967، وبقيت المقاومة الفلسطينية الأمل الوحيد وسط العتمة وحققت بعضا من التوازن النفسي للأمة، بعد خيبة الجيوش العربية، في المنازلة مع العدو.

لحظة الهزيمة التي ارتبطت بالنكسة هي لحظة صعود المقاومة. فكل الحلقات الموصلة لفلسطين، أصبحت رخوة. والأنظمة التي فشلت في الحرب، لم تكن في وضع يسمح لها أن تتصدى للمقاومة، خاصة أنها لم يعد لديها بنيان عسكري يعتد به.

خلال تلك الحقبة، تمكنت المقاومة من بناء هياكلها بالأردن ثم في لبنان. ولكن دول المواجهة، سرعان ما استردت عافيتها، وأعادت بناء قوتها. عند ذلك أصبحت المقاومة عبئا على خططها في استعادة الأراضي التي فقدتها في يونيو 1967. وبدا وجود المقاومة في الأردن ولبنان أقرب إلى دولة داخل الدولة. حدث الصدام بين المقاومة، التي تمركزت في المدن وبين الجيش الأردني، وحدثت أول نكسة للمقاومة في سبتمبر 1970. ولتتكرر التجربة مرة أخرى في لبنان، وليضاف أسباب الهجوم على المقاومة، ذريعة إحداثها خللا في تركيبة لبنان الديموغرافية.

هذه العوامل حرضت على التوجه نحو خيار التسوية السلمية. وجاءت انتفاضة أطفال الحجارة الباسلة لتنقل جاذبية الصراع من المخيمات إلى الأراضي المحتلة عام 1967 ولتعزز من هذا الخيار.

في جنوب إفريقيا، أسهم الخيار السلمي، في إيجاد تعاطف دولي ضد الفصل العنصري. تمتعت الثورة بأرض وشعب وتعاطف إقليمي ودولي، وتخلت عن شعارات المساواة والتكافؤ، وأصبحت الحقوق ذات طابع سياسي محض، فتمكنت الثورة من إنجاز أهدافها المعلنة، ضمن لغة التسويات.

أما الثورة الفلسطينية، فقضيتها أصبحت متشابكة ومترابطة بتحرير الأراضي العربية، غير الفلسطينية. وقد اتجهت الدول العربية، في تحرير هذه الأراضي، منذ منتصف السبعينات نحو التسوية، وليس الصراع المسلح...

ويبقى السؤال معلقا: لماذا انتصرت الثورة في جنوب أفريقيا وفشلت في فلسطين؟!.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
حسين بن رضي
[ السعودية الرياض ]: 2 / 1 / 2014م - 8:45 ص
ببساطه يا استاذ هناك مانيلا يعمل لشعبه وهنا الشعب يعمل لعرفات
والله اعلم