آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:49 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأنظمة العربية وإدارة التنوع

جعفر الشايب * صحيفة الشرق

أثبتت بعض الأنظمة العربية عجزها التام وعدم قدرتها على إدارة التنوع في مجتمعاتها، حيث إن الأزمات المتعاقبة الناتجة عن هذا الفشل تطل برأسها بين الحين والآخر بأشكال وصور مختلفة وتتسبب في ارتفاع حدة التوترات الاجتماعية وتهدد بالتالي السلم الأهلي بشكل عام. ينقل الكثيرون ممن عاصروا الأجيال السابقة في مناطقنا العربية عن حالة من الاستقرار والانسجام والألفة بين مختلف مكونات المجتمع على الرغم من تنوع اتجاهاتهم ومذاهبهم وأعراقهم ونسبهم ومناطقهم، ومن ثم فإن أيا من ذلك التنوع لم يكن يخلق بينهم عداء أو توترا. أما في وقتنا الحاضر فإن نفس هذه الاختلافات التي كانت ممتدة لعقود أو قرون تحولت إلى مصادر توتر وسبب للعداوات، كما نراه حاصلا بين أتباع الديانات والمذاهب أو أبناء القوميات والإثنيات المختلفة، وكما نشاهده في العراق والصومال ومصر والسودان وفي بعض دول منطقة الخليج وغيرها.

لا شك أن المتغيرات الثقافية والاجتماعية ساهمت بصور مختلفة في خلق حالة من التباعد بين هذه المكونات وبالتالي تشكل صورا عدائية عند كل طرف عن الآخر، ولكن الأمر امتد أيضا إلى قيام بعض الأنظمة السياسية بتوظيف هذا التنوع بصورة تسهم فقط في بقائها في السلطة مما انعكس سلبا على وحدة النسيج الاجتماعي وانسجامه. وينطبق ذلك على كل أشكال الحكومات في المنطقة من حولنا التي مارست بعضها ولا تزال أشكالا مختلفة من الاقصاء والتمييز والاصطفاف لفئة معينة دون أخرى. ينتج عن هذه الحالة مزيد من تمزيق النسيج الوطني، واشغال الجميع في هذه البلدان بخلافات وهمية وهامشية، وإقصاء بعض مكونات المجتمع وتخوينهم، وإهدار للفرص المتاحة، واختلاق توترات قد تسبب في التحول إلى العنف.

وإن صح ما تناقلته الأخبار من مصر بأن وزارة الداخلية سابقا هناك عملت على إثارة الخلاف الديني مع الأقباط بالتخطيط لتفجير إحدى الكنائس، ليتهم بذلك الإسلاميون في إثارة الفتنة. هذه وأمثالها من حوادث تتكرر بصور مختلفة في بعض بلدان منطقتنا العربية دون أي اعتبار للمصالح الوطنية واستقرار مجتمعاتها.

من المفترض أن تلعب الدولة الحديثة دوراً إيجابياً فاعلا في معالجة هذه الاشكالات وتوجيه هذا التنوع ليكون مصدر ثراء في المجتمع وتوظفه بما يخدم الاستقرار والرضا العام من خلال إقرار مبادئ المواطنة المتساوية العابرة للانتماءات والمشاركة في الشأن العام وتكافؤ الفرص بين الجميع وترسيخ الحماية القانونية للأفراد دون أي تمييز بينهم.

إن التحدي الأكبر أمام استقرار المجتمعات وحمايتها من أي تأثير خارجي هي الحصانة القوية التي تتميز بها داخليا، وقدرتها على إدارة تنوعها بصورة فاعلة وسليمة، وكما في الحكمة التي تقول «اذا كانت نوافذ بيتك محكمة، فلن يدخل البعوض».