آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

أنا في الجنة وأنت في النار!

فوزي صادق *

كان يرمق الركاب بنظرات خاطفة من موقعه بمؤخرة الطائرة قبيل أن تغادر البوينج الضخمة إحدى مطارات أوروبا، والمتجهة إلي جنوب شرق آسيا، في رحلة تستغرق نصف يوم على الأقل، وما إن استوت وسط الأفـق، حتى خرجن المضيفات الحسناوات من مخادعهن، وقدمن المشروبات الروحية والوجبات على الركاب، فأخرج اليهودي المتشدد والمعتمر القلنسوة كتاب التلموذ المقدس لدى اليهود، وبدأ يقرأ بعض أسفاره وآياته بالعبرية، وبينما هو مسترسل، قاطعه تجشأ الراكب الذي يجلس خلفه، فنظر إليه بسخرية ووجه عبوس، فطأطأ رأسه متمتماً يكلم نفسه ومتوعداً بالنار والعذاب لكل الركاب من الأديان الأخرى الذين خلقهم الله عبيداً لليهود، وإن الهلاك لكل البشر! وإن كل الخلق إلي مزبلة جهنم باستثناء اليهود شعب الله المختار، وكلما وقعت عيناه على راكب، قال هذا في النار وذاك في قعر جهنم، وبعد انقضاء نصف الرحلة تقريباً، شعر الركاب بمطبات هوائية شديدة لم يشهدوها من قبل، وإذا بقرقعة مخيفة سمعها كل الركاب مصدرها جناحي الطائرة، فأعلن قائد الطائرة بكل صراحة تعرض الجناح الأيسر إلي عطب يمنعهم من الدوران أو الالتفاف، ولهم فقط فرصة الهبوط، وإنهم الآن معلقون بين الأرض والسماء على ارتفاع يزيد على أربعة وعشرين ألف قدم، فأضطر أن يتجه بسرعة إلي أقرب مطار كي يتم الهبوط فيه، وإنه أتصل بالجهات المعنية بذلك، وإن سبب المطبات القوية هي المنطقة الجبلية التي يمرون بها الآن فوق نيبال، فأصاب الهلع والخوف كل الركاب، الكبير قبل الصغير، وبكت النسوة وصرخ الأطفال، وجلست المضيفات بعد إرجاع عربات الخدمات، وُطلب من الجميع التزام الصمت، واحتضان الوسائد الصغيرة، فأصبحت المصيبة بين المطبات الهوائية والأصوات التي تخرج من الأجنحة، ومحاولة من الطيار الخبير أن يستعيد السيطرة على الطائرة، وهم الآن في هبوط منحدر، فبكى الرجال أيضاً، فالطائرة مليئة بعدد كبير من الركاب، ومن كل الجنسيات، والأديان، فبكى اليهودي بحرقة وهو يدعوا الله بنور موسى ومنزلة داوود ويعقوب وببركة التلموذ أن ينجيه.

لقد تعالت الأصوات، واختلطت الصرخات، وتعانقت الصلوات، فسمع وشاهد اليهودي صلاة ودعاء معظم الركاب وبكل اللغات، وكلاً دعا ربه بما يؤمن ويعتقد، فظهرت الأديان بكل إشكالها ومذاهبها وأفكارها، وكشف كل راكب بما يؤمن ويحفظ من كلمات دينية، وسأل كلاً منهم حسب فكره ودينه أن ينجيه الله، وبلغت ذروة الدعاء أعلى درجات وكلمات التوسل، ولم لا! فإنها ساعة الصفر! وهي مسألة حياة أو موت! «ويا روح ما بعدك روح كما يقال»، والبحث جارٍ عن أي سبب لإنقاذهم، فالقشة أمل الغريق ومطلبه، وهم في صراع بين كفتي الوقت والموت، والطائرة بحالة هبوط مائل نحو الأرض التي ستبتلعهم.

من الصعب وصف تلك اللحظات، أو ترجمة إحساس الخوف بكلمات، إلا بوجود القارئ معهم بالطائرة، فقد نسي كل غني ماله وعياله، ونسي كل وسيم صفاته، ونسي كل راكب جنسيته ولون جوازه، ونسوا أشكال بيوتهم، وفخامة سياراتهم ومناصبهم، فالمسلمون السنة يدعون الله وينذرون له، والمسيحيون يصلوّن بأسم الأب ويسوع وأمه أن ينقذوهم وينجوهم، والمسلمون الشيعة يطلبون الله بحق محمد وآل محمد أن يكشف عنهم الله السوء، والجالية الهندوسية تدعوا وتصلي لكريشنا وأخرى تدعوا ساي بابا الرب، والبوذيون يدعون الإله بوذا بخوارقه وهيمنته الأربع إلا ما أوصلهم إلي بر الأمان.

في الأثناء، أخرج بعضهم ورقة لكتابة وصيته، وسجل بعضهم صوته بالجوال، وأصوات التشهد وذكر الله تسمع هنا وهناك بين المسلمين، والطائرة ضجت بالصراخ، وكل ما ذكرناه من وصف يتكرر ويزداد مع سماعهم صوت الجناح وهو يتأرجح ويتصافق وكأنه سينكسر وستسقط الطائرة. في الأثناء ظهرت حقيقة، وهي إنهم جميعاً مشتركون بطلب واحد، وهو «النجـاة» ووصلنا إلي نتيجة إنهم بشر، تأتيهم لحظات ضعف يعودون فيها إلي إنسانيتهم وتكوينهم، وإنهم فقراء ومحتاجون إلي الرب الذي يعطي ويمنع.

هبطت الطائرة بعد جهد جهيد في إحدى المطارات القريبة، وهي مقاطعة أسيوية فقيرة هندوسية، إذ وضعت بالمدرج المتواضع والمتهالك رغوة كثيفة، فنزلت عليها الطائرة ومع هبوطها نزلت أرواح الركاب من الخوف! وأخيراً والحمد لله تزحلق الجميع على سلم الطوارئ البالوني بسرعة، فأستقبلهم أهالي القرية المجتمعون بالتصفيق الحار، والماء والأحضان والدموع، وتعانق كل الركاب وهم يبكون غير مصدقون أنهم مازالوا أحياء، فرفعوا الكابتن فوق الأكتاف، وقبلوا رأسه ويديه، وحينها تمثلت مكارم الأخلاق في الإنسانية فقط بين الابتسامة والدمعة، واليهودي لايزال يقبل الكابتن ويشكره على حسن تصرفه، وفي النهاية رجع كل راكب إلي وطنه وأهله، وهو يؤمن ويعتقد إن الذي أنقذهم هو ربه الذي دعاه، وهو مقتنع بذلك، وعلم الجميع أن لا أحد وكيل الله على عباده، وأنه ليس المسؤول عن الخلق، وأن الحياة والموت بيد الله، وإن الجنة والنار ليستا ملكاً لأحد يوزعها على من يشاء.

أعذرني أخي القارئ، فقد شرد ذهني ونسيت إخباركم إن قائد الطائرة من دول أمريكا الجنوبية، ويؤمن بأن الأديان من صنع الإنسان، وأن الطبيعة صنعت نفسها صدفة، وقد تطورت بفعل التعرية الزمنية، ومازال قائد الطائرة مرفوعاً على الرؤوس.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
الكاتب : الخرمدي
26 / 1 / 2014م - 7:53 ص
هكذا هو الروائي .

تحية للكاتب الكبير .
كاتب و روائي - الدمام