آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

وصية

محمد العلي * صحيفة اليوم

"أوصيك يا بني بالقمر والزهور

أوصيك بليل القاهرة المسحور

وان جيت في بالك اشترى عقد فل

لأي سمرا.. وقبري اوعك تزور"

بيني وبين التقليد عداء دائم يشتد يوما بعد يوم.. ولكني أمام هذه الوصية للشاعر المبدع صلاح جاهين أود أن أكون مقلدا، وأرجو أن يسمح لي إن كان يسمعني بأن أتبنى هذه الوصية بعد «التحوير» اللازم والملائم للزمان والمكان اللذين كدت أنسى التنفس فيهما.

وقف الشاعران العملاقان محمود درويش وأمل دنقل أمام تلك الإشارات البيضاءأتخيل مشهدا سورياليا حين يشرع الطاعن في اليأس أو السن في كتابة وصيته من بعده، هنا يتحول إلى كرة بين أقدام الحضور والغياب. إنه يبصر الحضور كما أبصره ديكارت.. ولكنه لا يبصر الغياب الذي يتحول إلى غابة مظلمة تعوي فيها الذئاب حيث يدخل في ملكوت الرعب.

محمود درويش وحده هو الذي وقف أمام الموت وجها لوجه متحديا: «سأصير يوما طائرا وأسل من عدمي وجودي» ثم استمر في هذا التحدي بسخرية ضاحكة:

«ألديك وقت لاختبار قصيدتي لا

ليس هذا الشأن شأنك.. أنت

مسئول عن الطيني في البشري

لا عن فعله أو قوله.

هزمتك يا موت الفنون جميعها».

هل الموت أبيض أم أن إشاراته هي البيضاء؟ لقد وقف الشاعران العملاقان محمود درويش وأمل دنقل أمام تلك الإشارات البيضاء وخرجا بنتيجة مختلفة: خرج دنقل منكسرا:

«في غرفة العمليات/ كان نقاب الأطباء أبيض/ لون المعاطف أبيض/ تاج الحكيمات أبيض/ أردية الراهبات/ الملاءات/ لون الأسرة/ «....» كل هذا يشيع بقلبي الوهن/ كل هذا يذكرني بالكفن».

أما درويش فخرج من البياض عائدا إلى الطفولة:

«ويحملني جناح حمامة بيضاء صوب

طفولة أخرى

وكل شيء أبيض

البحر المعلق فوق شقف غمامة بيضاء

واللاشيء أبيض في سماء المطلق البيضاء

كنت ولم أكد

فأنا وحيد في نواحي هذه الأبدية البيضاء الخ».

كاتب وأديب