آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

التعددية.. ضرورة الراهن!

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

تعدد وتنوع قراءات الواقع ومن زوايا مختلفة بات أكثر من ضرورة لمجتمعاتنا الخليجية، خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة التي تمر بها، والتي ستحدد إلى حد كبير آفاق تطورها وموقعها ومستقبلها ضمن المحيطين الإقليمي والدولي، حيث يتسم المشهد العام بالسيولة والفوضى وغياب اليقين. ما نحتاجه وقبل كل شيء إعادة تقييم شامل لمجمل أوضاعنا التنموية والاجتماعية والسياسية والأمنية والثقافية، محددين ما تحقق من منجزات لنبني عليها ونطورها، وما شاب مسيرتنا من سلبيات وإخفاقات بغرض تقويمها وتصويبها وتجاوزها، وهو ما يتطلب إشاعة ثقافة السؤال والتساؤل والمساءلة في جو من التسامح والقبول بالرأي الآخر المختلف، بعيدا عن أية نزعة للاستفراد والإقصاء، وضرورة التحلي بفضيلة الإقرار والإيمان بحق الجميع في حرية التعبير، والرأي، والتفكير المستقل والمشاركة في الشأن العام، دون وصاية أو محاولة فرض خطوط حمراء وهمية زائفة، لن تؤدي إلا إلى سيادة لون وفكر وممارسة نمطية بليدة أحادية الجانب، تعتقد أنها تمثل الحقيقة المطلقة، في حين أن الآخرين المخالفين أو المختلفين يمثلون الخطأ وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى الاحتباس الاجتماعي والتكلس الثقافي والجمود السياسي والتدهور الاقتصادي، وتعطيل جهود التنمية برمتها باعتبارها عملية متكاملة ومتشابكة وشاملة في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وبالتالي أي محاولة لفصم أحد مكوناتها وعناصرها ستؤدي إلى فشل العملية برمتها، أو وصولها إلى طريق مسدود، مما ينذر بمخاطر نجد بعض مؤشراتها في إعادة تصدر الولاءات الفرعية التقليدية، كالعشائرية والقبلية والمناطقية والطائفية.

يتعين هنا توسيع الهامش المتاح، في حرية الطرح والحوار المتسم بالشعور العالي بالمسؤولية الجماعية من جهة، والابتعاد عن التشنج والمزاودة اللفظية وركوب موجة الرفض من أجل الرفض حتى لو كان ذلك على حساب الموضوعية والمصالح الوطنية العليا من جهة أخرى، مما يستدعي فهم ومعرفة السياق التاريخي الموضوعي، وحركة الواقع الملموس بمكوناته وتناقضاته المختلفة والخاضع لاشتراطات مختلفة مفارقة ومغايرة للإرادات والرغبات الذاتية المحضة.

ما نحتاجه هو الموازنة والمواءمة ما بين الهم والتطلع المعرفي / العلمي في تحليل وتقييم الواقع الموضوعي المعطى من جهة، وبين متطلبات واحتياجات التغيير والتقدم ضمن «الخصوصية» التي تتسم بها مجتمعاتنا الخليجية من جهة أخرى. والخصوصية هنا لا تعني بأي حال فرادة أو جوهرا مفارقا للقياس ولقوانين التطور الاجتماعي، وإنما تعني مقاربة الواقع بمعطياته وسماته وخصائصه، وتلمس السبل الواقعية لصياغة واستشراف آفاق المستقبل. بالطبع فإن إيقاع الحياة الفعلية ومتطلبات التغير المنشود لا تتحقق «إلا فيما ندر» عبر مائدة مستديرة، أو من خلال عصف ذهني في اجتماع خبراء ومفكرين وسياسيين، وإنما من خلال احترام التعددية، والتفاعل والانفتاح المتبادل بين الحكومات والمجتمعات والنخب الخليجية.