آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

نحو نظام ثقافي عالمي جديد

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

احتل الإعلام منذ أقدم العصور مكانة خاصة لدى المجتمعات الإنسانية سواء في زمن السلم أو الحرب ويمثل الإعلام ظاهرة اجتماعية لها ارتباطاتها وصلاتها الوثيقة بقضايا الاقتصاد والسياسة والثقافة، ومع تطور وتعمق الثورة المعرفية / التكنولوجية، والتطور العاصف للمعلومات والاتصالات، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي التي حولت العالم إلى قرية، وألغت الفواصل الزمنية والجغرافية بين الفرد والآخر على الصعيدين الوطني والعالمي، أخذ البعد الكوني للإعلام والثقافي يتأكد ويتعمق على نحو غير مسبوق.

لكن هذه الكونية لا تستند إلى مبدأ التوازن والمساواة والتدفق المتبادل للأفكار والأخبار والمعلومات والثقافات ما بين دول الشمال «المركز» ودول الجنوب «الأطراف»، فالعالم الثالث الذي يضم ثلاثة أرباع السكان لا يملك سوى نصف مجموع الصحف وربع مجموع التوزيع ومن بين حوالي 130 وكالة أنباء عالمية، تهيمن أربع وكالات غربية هي وكالة رويتر البريطانية واسوشيتد برس ويونايتد برس الأمريكيتين ووكالة الأنباء الفرنسية على حركة الأنباء والأخبار في العالم، الأمر الذي حول وكالات الأنباء الوطنية في العالم الثالث عمليا إلى مجرد مكاتب محلية وتوزيع الأنباء التي تبثها الوكالات الغربية أو توزيع الأنباء والأخبار الرسمية المحلية.

فجوهر التبعية الإعلامية والثقافية في بلدان الجنوب ترجع إلى عوامل تاريخية مرتبطة بمرحلة السيطرة الاستعمارية الغربية إضافة إلى سعي الولايات المتحدة إلى إحكام سيطرتها «الأمركة» على ثقافات العالم وإخضاعها لمصالحها الاقتصادية مستندة إلى إمكانياتها الإعلامية والتكنلوجية وهيمنتها على المواقع والخوادم الإلكترونية الرئيسية مثل غوغل وياهو وغيرهما إلى جانب استحواذها على الأقمار الصناعية التي يجري استخدامها جميعا على نطاق واسع للتجسس والتصنت على خصوصية المليارات من البشر. الشبكات المتعددة لنظم الاتصال والنشاط الممتد للشركات والبنوك المتعددة الجنسية ووكالات الإعلان الدولية «تمتلك الولايات المتحدة عشرات الوكالات الدولية للإعلان» وبنوك المعلومات ونظم الكمبيوتر تقوم مجتمعة ببث كميات هائلة من المعلومات والأخبار وعلى مدار الساعة عبر دوائر عابرة للقارات. كل ذلك يجري في منأى عن الضوابط المحلية، غير أنها في الوقت نفسه تمارس الرقابة على الإعلام وتبث الأخبار الكاذبة، وتطارد كل جهة أو شخص يعمل على كشف مؤامراتها وأعمال التجسس المشينة التي تقوم بها إزاء المليارات من البشر، وذلك تحت حجة حماية الأمن القومي، وهو ما تمثل في الردود الأمريكية العنيفة إزاء تسريبات ويكيليكس وما كشفه رجل الاستخبارات الأمريكية السابق جون سنودن. وفي دراسة أجرتها اليونسكو عن التداول الدولي للبرامج التلفزيونية جاء فيها أن غالبية بلدان الجنوب التي توجد بها محطات تلفزيونية تستورد حوالي نصف البرامج التي تعرضها و75 % من جملة الواردات العالمية من البرامج التلفزيونية تأتي من الولايات المتحدة. أضف إلى ذلك السيطرة على صناعة الورق والطباعة والتصوير وبرامج الإعداد والتأهيل الأكاديمي والمهني. نشير هنا إلى أن التكنولوجيا بشكل عام وتكنلوجيا الاتصالات بشكل خاص لا تمثل دورا حيويا في السيطرة الثقافية فقط ولكنها تعتبر جزءا من آلية السيطرة والهيمنة أيضا.