آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 2:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطائفية الخفيّة

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

عبر البريد وحسابي الشخصي في تويتر أتت التعليقات على المقال السابق «العنصرية الخفية» لتفتح العيار على كل الخطابات الأخرى «ازدواجية المبدأ والتفعيل» ذات الوجهين المتباينين، الذي يكون أحدهما إيجابيا ظاهرا والآخر سلبيا باطنيا ينكشف كل حين في السلوكيات وبعض التصريحات، كالطائفية الخفية مثلاً.

فهناك طائفية فجة مُعلنة تتبجح بشعاراتها، وتعلن عن نفسها بدعاوي التكفير والقتل والإقصاء والنبذ. وتلك في رأيي أقل خطراً وأسهل على الكشف. لأن الخطاب الواضح يسهل تفكيكه ونقده ومن ثم الخلاص منه وتجريمه ولو بعد حين، لكن خطاب الطائفية المبطن هو الميكروب الخفي الذي يتغلغل في عروق الأمة، ويفتك بعافية التسامح وحتمية الاختلاف الطبيعي التي هي الأصل في أي مجتمع إنساني على جميع الأصعدة. هذا النوع من الطائفية لا يصطدم مع تأنيب الضمير، لأنه يبرر لنفسه بالاتكاء على تجيير نصوص دينية لصالح مآربه. هي حقاً طائفية خفية حتى على معتنقها أحيانا!.

فقد يقوم شخص ما بالتصدي للطائفية أو يقدم نفسه على أنه منافح عن الوحدة والمواطنة وداعٍ للاتفاق وتذويب الخلافات، بتصريحات واضحة تدعم هذا التوجه النبيل، لكن ما أن تتاح لطائفيته فرصة حتى تسفر عن وجهها الكئيب من بين طيات كلامه أو أفعاله، كتسقيط رموز الآخر، أو تعزيز موروثه الديني المتسق مع فتاوى التكفير وتنجيس المخالف، لأن علاج الطائفية لن يكون برفع الشعارات وإطلاق التصريحات أو التجمع على وجبة عشاء والتقاط صور جماعية مع ابتسامة عريضة. فلا أحد سيفكر مرتين عما وراء الابتسامات، والأيدي المتصافحة، لأننا مجتمع نصدق الإعلانات والافتخارات والمدائح والشعارات، دون أن نحرص على توافق الأعمال والشعارات. نحن مجتمع سطحي ولا نغوص لأعمق من ظاهر الكلام، لأن هناك من يصرخ بالأخوة ويعلن حب الآخر ويسعى للظهور في المجتمع بمظهر المعتدل المتسامح ثم يمارس طائفيته بألا يزوّج الآخر ولا يأكل ذبيحته، أو لا يقبل توظيفه أو تقديم خدمة إنسانية له.

أما في تويتر فحدث ولا حرج من وجود من يمثل «الطائفية الخفية» أو خطاب الكراهية المبطن. فقد تطلّع على نبذته الشخصية «bio» وقد قدم نفسه كمضاد للطائفية ومتقبل لتعدد القراءات والآراء، لكنه في طيات تغاريده تصطدم بموقف معاكس تماما وأداء لا يدل على توظيف صادق لما يقدّم نفسه عليه.

ما قيمة الشعارات إذا لم تعالج النفوس من الداخل من أمراض الفوقية والنرجسية الطائفية؟

فما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه.