آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 7:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاستقرار بين الأمن والسياسة

جعفر الشايب * صحيفة الشرق

البحث عن عوامل الاستقرار في الدول هو من مهام وأهداف الحكومات كلها؛ لما ينتج عنه من انتظام أمر المجتمعات، وتحقيق التنمية والرفاهية لها. لكن الدول تختلف في مناهجها لتحقيق الاستقرار؛ فالأنظمة الشمولية المتخلفة تعتمد على الإجراءات الأمنية كأساس، بينما تأخذ الدول المتحضرة بالآليات السياسية كضمانات للاستقرار.

تعتمد منهجية الدول الأمنية على استخدام القمع بكل أشكاله، وتحويل الدولة والمجتمع إلى مؤسسات أمنية تتحكم في كل مفاصل الحراك الاجتماعي في هذه الدولة، وتتغول هذه الأجهزة بمختلف الصور لتكون هي قناة التواصل الوحيدة بين أجهزة الدولة والمحكومين، من خلال التقريرات والأخبار وأدوات الرقابة المختلفة.

ويتمدد دورها لمختلف مجالات الحياة، كالرقابة على وسائل الإعلام والتجمعات، والترشح للانتخابات والوظائف العامة، وحرية الأفراد، كالاتصالات والسفر، وحتى عقائد الناس وأفكارهم، وتصل في كثير من الأحيان للاعتقالات العشوائية، والتوقيف لفترات طويلة بدون محاكمة، والتعذيب، أو سحب الجنسية من المواطنين. وتعتقد هذه الأجهزة أنها تسهم بمثل هذه الإجراءات في ضبط الأمن وتحقيقه، دون أن تأخذ في اعتبارها التكلفة المادية والمعنوية لمثل هذه الإجراءات، فهي تعزل المسؤول عن مواطنيه، وتوجد فجوة حقيقية، وتزيد من نقمة المواطنين، وهي حلول قصيرة المدى لا يوشك أن تستنفذ كل تأثيرها مع أول حراك شعبي.

الحلول السياسية هي الأكثر ضماناً للاستقرار في أي بلد من ناحية القدرة على التعاطي مع القضايا بصورة متوازنة وفاعلة، وتقديم التسويات المرضية التي توجد إجماعاً وطنياً وتماسكاً مع مؤسسات الدولة، وذلك من خلال إطلاق الحريات العامة، خاصة حرية التعبير عن الرأي؛ لتشخيص مختلف القضايا والمطالب، ومن ثم العمل على مناقشتها ومعالجتها. إن تأكيد سيادة القانون وحاكميته، ونزاهة القضاء واستقلاليته، والتمثيل الشعبي والممارسة الديمقراطية، وضمان السلم الأهلي والتداول السلمي للسلطة، كلها تعدّ ضمانات أساسية للاستقرار. هذه البدائل السياسية التي تعزز الشراكة والاندماج والعمل الوطني الجمعي ينبغي أن تبادر بها الدولة بشكل مؤسسي، عبر تعزيز المؤسسات التشريعية المنتخبة، وتخفيف القيود الأمنية، وإطلاق المبادرات السياسية، وتأكيد مفاهيم المواطنة.

إن التطورات السياسية في منطقتنا العربية تؤكد لنا وللعالم أجمع أن الأنظمة القمعية مهما كانت قوية ومتسلطة، ومهما كانت أجهزتها الأمنية متنفذة ومسيطرة، فهي لم تسهم في الوصول إلى استقرار سياسي واجتماعي، وأصبح مطلب تفكيك هذه الأجهزة، وملاحقة القائمين عليها ومحاكمتهم، هو من أولويات التغيير. كما أثبتت أيضاً أن الخيارات السياسية هي أقل تكلفة وأكثر ضمانة للاستقرار على المدى البعيد.