آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 12:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العدوانية قوة خلاقة لولا الانفراط

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

قبل أن يكون الإنسان كائناً عقلانياً هو أولاً كائن غرائزي، وتشكل مجموعة الغرائز لو تم توفيقها وتهذيبها الطاقة الخلاقة للأفعال الإيجابية المثمرة. فيما يمثل انفراطها شكلاً من أشكال البوهيمية والحيوانية السلبية والهدامة.

العدوانية إحدى تلك الغرائز الأصيلة الدافعة لمواجهة الآخر دون تردد. فالتقهقر والهروب استكانة وخضوع في الظروف الحرجة المستدعية للمواجهة. لذلك فهي مشتقة من فعل العدو «عدا» بمعنى أسرع في السير، وهي تنطوي على المواجهة لا التهجم. وكذلك بالإنجليزية فعل العدوان «agresser من كلمة aggredi اللاتينية، المشتقة بدورها من كلمة ad - gradi التي تعني «مشى نحو» أو «تقدم نحو» وهي لا تنطوي على عنف أو تهجم إنما إلى مسير واتجاه. ولكن تركها دون كبح وموازنة سيؤدي بالتأكيد إلى اندفاعية تفقدها صفتها الخلاقة وتحولها إلى معول هدام بلا حد. فالغضب مثلا قد يكون إيجابياً حين يكون باعثاً للحد من الاستعداء والسلب واستشراء الظلم، وقد يصبح قوة مدمرة إذا لم يؤخذ بزمامه ويروّض.

بوعي أو بلا وعي قد يعتقد الإنسان أنه بلغ حد التوازن الأمثل بمعايرة عدوانيته ولكنه في الحقيقة مجرد مريض ينفّس عن مكنونه السلبي بصيغ مقبولة اجتماعياً أو عرفياً للنفاذ من محاكمة الآخر أو جلد الذات. فقد تتخذ العدوانية ذرائع دينية كتغيير المنكر بأفعال عدوانية لا يقرها الشرع السمح ولا العقل السويّ وذلك باستغلال النصوص الدينية استغلالاً يتيح له تفريغ شحنات كراهيته وفوقيته على الآخر باسم الدين وهو منه براء. وقد تتخذ أشكالا حضارية إنسانية كصناعة الحريات وإثبات الوجود عن طريق تلبس شعارات الليبرالية والتقدمية. وهذه العدائية هي أخطر أنواع العدوانية وتسمى العدوانية المستترة Passive - aggressive behavior. لأن الشخص العدائي قاسٍ، صلف لا يأبه بآلام الآخرين، وعادة ما يظهر عدوانيته بشكل سافر، كأن ينصب نفسه قاضياً ويطلق أحكاماً تعسفية دون أن يعرف التفاصيل، وهو مراوغ ويجيد التهرب من أخطائه، وغالباً ما يقع اختياره على ضحية تكون بمثابة مسرح لجرائمه.

لكن العدوانية المستترة تظهر بشكل أو بآخر بأفعال غير عدوانية، كالسخرية وإلقاء نكت عنصرية أو طائفية، أو توجيه اللوم والنصح لاستثارة الشعور بتأنيب الضمير؛ لأنه من الضروري للعدواني أن يشعر ضحيته أنه لا يحسن صنعاً للإبقاء عليه دائما في دائرة التحكم.

ولأن العدواني متصادم تماماً مع الآخرين بسبب شعوره العميق بالتهميش وفقدان الاهتمام لذاك فإن عوارضه العدوانية تظهر في الأعمال الجماعية، فيشكل خطراً على كفاءة العمل أو الاندماج الاجتماعي بسبب تحركاته الهدامة ضد روح تعاون للفريق أو أفراد المجتمع.