آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 10:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

السعوديون ينتقمون...

عماد علي بو خمسين *

كنا نجمع الحجارة في الشارع ونحن صغار ثم نتسابق في تحطيم أعمدة الإنارة، فلا نهدأ حتى ينطفئ نورها... عندها نشعر بالراحة والفرح. لم نكن نعلم حينها أن عبث الطفولة هذا كان يخفي خلفه عقدة نفسية منتشرة في مجتمعنا بشكل كبير، وفي باقي المجتمعات العربية كذلك.

عندما تزور بعض الأماكن الأثرية أو الحدائق العامة، فلا بد أن ترى مثل هذه العبارات الظريفة على الجدران: «ذكريات بو محمد، ذكريات بو خالد، الحب عذاب...» الله يهديكم يا بو محمد ويا بو خالد، يعني ما قدرتوا تحتفظون بذكرياتكم في دفتر مذكّرات!!؟... المهم، ليت الأمر يقتصر على ذلك، فأبو محمد وأبو خالد يُحبّان أيضاً تخريم الطاولات في المدرسة وتكسير كراسي الجلوس في الكورنيش وتخديش السيارات ورمي النفايات في كل مكان... باختصار، هناك رغبة لا شعورية في تخريب وتشويه كل شيء جميل حوالينا، وبالذات الممتلكات العامة.

تُعرف هذه الظاهرة بإسم الونْدالية، نسبةً إلى الوندال الذين تعود أصولهم إلى شمال أوروبا، وقد اجتمعت فيهم الهمجية مع الغضب على الإمبراطورية الرومانية. ففي سنة 455 م، قاموا بالهجوم على روما، عاصمة الإمبراطورية التي كانت تحتضر آنذاك، وقاموا بتخريب المعالم الحضارية فيها، فشوّهوا التماثيل وخرّبوا المعابد والمباني والميادين العامة، مع أنه لم يكن هناك داعٍ لذلك «ول ديورانت، قصة الحضارة ص 4199». واليوم اقترن اسمهم في اللغة الانجليزية بهذه الظاهرة، فصارت كلمة vandalism تعني التخريب المتعمّد للأشياء الجميلة.

و لكن ما هي أسباب مثل هذه التصرفات عند المراهقين والشباب في مجتمعنا، وما هي دوافعها؟

يقول المستشرق الياباني نوتوهارا، الذي درس العرب والثقافة العربية لأكثر من أربعين سنة: "في المجتمعات العربية، يحاول الفرد أن يميّز نفسه بالنَّسَب كالكنية أو العشيرة «أو القبيلة»... في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع، وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كإنسان... ولذلك لا يشعر المواطن العربي بمسؤوليته عن الممتلكات العامة مثل الحدائق والشوارع ومناهل المياه ووسائل النقل الحكومية والغابات... باختصار، المرافق العامة كلها. ولذلك يدمّرها الناس اعتقادا منهم أنهم يدمرون ممتلكات الحكومة، لا ممتلكاتهم هم... " «نوبوآكي نوتوهارا، العرب.. وجهة نظر يابانية ص 9 - 10».

هل يمكننا الآن أن نفهم لماذا نرى الشخبطة الفارغة على الجدران؟ وهل يمكننا الآن أن نفهم لماذا يقوم بعض الشباب بتكسير المحلات والمرافق العامة أثناء الاحتفال باليوم الوطني أو فوز منتخب كرة القدم؟ إنها تلك النزعة التي تدفع إلى تخريب أي شيء له قيمة جمالية أو حضارية، مضافاً إليها الشعور بالقمع، ليس من الحكومة فقط، بل من المدرسة والبيت كذلك.

فنحن قد اعتدنا منذ الصغر على وجود الرقيب الصارم فوق رؤوسنا... فإذا كان ذلك الشاب يمشي في السوق أو المجمع التجاري، كان هناك الشرطة أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمراقبة سلوكه، أما إذا كان في المدرسة أو البيت فقد يتعرّض لسوء المعاملة على يد المعلّم أو الأب المتسلّطَين.

هذا الرقيب الصارم يرسل رسالة صامتة إلى المراهقين والشباب، تنمّ عن عدم الثقة فيهم... وهكذا فبمجرّد أن يختفي الرقيب، تسنح الفرصة لاستغلال لحظات الحرية تلك ويجد القمع والكبت المتراكم متنفّساً له، فتظهر هذه النزعة التخريبية والانتقامية إلى السطح.

ماذا نفعل إذا كان الشرطي أو الأستاذ أو الأب هم أصلاً ضحايا للقمع والتسلّط ممن فوقهم، فيتم تمرير المشكلة من جيل إلى جيل بدون حل؟.

الدمام