آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 9:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

عَجُّ الشيطان وصيانة الدِّين بين ضرورية الزواج وإشكالية الاختلاف الدِّيني والمذهبي

السيد أمين السعيدي *

من الأمور الضرورية الباعثة للتّزويج: «الحاجة لحفظ الدِّين».

جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: [مَن أَحَبَّ أنْ يلقى الله طاهراً مطهَّراً فلْيَتعفَّف بزوجة]، وفي خبرٍ آخر: [فليَلْقه بزوجة].

لَمّا كان الرجل والمرأة قد صِيغَ تكوينهما وفق الاحتياج الروحي للشريك، والمتطلَّبات الجسدية، وغيْر ذلك من الضرورات الحياتية المتعلقة بعلاقتهما الإنسانية؛ استَلزَم إشباع ذلك أن يكون بصورة «شرعيّة»، فصانِعُ التكوين سبحانه صَنَعَ التشريع المتلائم والمتوافق تماماً مع انتظام التكوين، وجَعَل قِبال كلِّ حلالٍ حراماً،  وقِبال كلِّ حرامٍ حلالاً.

لذا؛ كان حفظ الرجل والمرأة لدِينهما، وتحصينهما لنفسيهما، من أهم الضرورات الداعية للتزويج، وإنشاء علاقة إنسانية كفيلة بحَلِّ عوائق هذه الحاجة وكفاف متطلَّباتها.

إن الرواية الشريفة وإن كانت ناظرة للرجل، إلا أنها شاملة للمرأة أيضاً؛ إذ لا وجه للفصل بينهما في هذا المورد؛ ذلك لأن الحكمة والغرض يشملانهما، بل والأخبار الأخرى تؤكِّد هذا الشمول، فالمرأة أيضاً إن أَحبَّتْ أن تلقى الله طاهرة مطهَّرة فلتَتعفَّف بزوج، ولتَلْقه تعالى بزوج، فالعفة والطهر في الأمور التي ذكرناها إنما يحصلان لها بالتزويج، مِثلها مثل حصول تَعفُّفِ وطهرِ الرجل بالتزويج.

وهذا ما يؤكّده مجموعة من الأخبار الكثيرة الواردة في هذا المجال؛ كالحديث الشريف القائل: [ما من شاب تَزوَّج في حَداثة سِنه إلا عَجَّ شيطانه يقول: يا ويلاه، عصمَ هذا مني ثلثي دِينه. فلْيتَّقِ اللهَ العبدُ في الثلث الباقي].

لاحظْ كيف أن التزويج من حَداثة السن وصغره يطيش بالشيطان ويجعله يعج - يصرخ - يا ويلاه؛ وما ذلك إلا لأن العبد - امرأةً أو رجلاً - بالتزويج يحفظ نفسه ويحصّنها عن الحرام، ويطهّر ذاته من الرجس والفساد؛ وهذا علة حِفظِ الدِّين وعصمته عن الشيطان، بل وتتميم الدِّين وتكميله، ففي حديثٍ آخر: [لم يكن أحد من أصحاب رسول الله يتزوج إلا قال رسول الله ﷺ: كمل دِينه].

ومعلومٌ أنّ التعفّف لا يتحقّ إلا بالصالح والصالحة، وإلا ما لم يوجَد الصلاح لدى الشريك لم يقع التعفّف المقصود في الحديث الشريف.

إشكالية الاختلاف الدِيني والمذهبي في قِبال استهداف «حِفظ الدِّين» بالتزويج.

من خلال كَوْنِ «حِفظ الدِّين» أحد أهم غايات الزواج، نَفهم:

1 - لماذا مَنعَ مَنعَ «الإسلام» التزويج بأهل الديانات «الغير سماوية».

2 - ولماذا مَنعَ «بعض الفقهاء ”إفتاءً احتياطياً“» مِن تَزوُّج «المسْلِم» بنساء أهل «الديانات السماوية الأخرى» زواجاً «دائمياً».

3 - ولماذا مَنعَ «الإسلام» تَزوُّج «المسْلِمة» بأهل «الديانات السماوية الأخرى».

4 - ولماذا مَنعَ «الإسلام» التزويج من «المذاهب الأخرى الداخل ضمن دائرة الإسلام» في حال وجود «جبر وقَسْر» من أحد الزوجين لشريكه على مذهبه.

إنَّ «حِفظ الدِّين» - غالباً - لا يتحقق في مثل هذه الصور الأربع، مما يعني سقوط غاية من غايات الزواج الضرورية، ألا وهي «ضرورة حِفظ الدِّين»؛ فأي سبب يكون مانعاً أمام تحقيق هذه الضرورة بحيث يَتعارض مع الأهداف الكبرى والأخروية؛ فإنّ الضرورة والأهداف الكبرى تقدم عليه، فإذا كان «التزويج» أمراً ضرورياً وكبيراً، ف «حِفظ الدِّين» أكبر منه وأشد ضرورة.

طبعاً فيما سَبق - في المنشورَين الثالث والرابع - تحدَّثنا عن «قضية التزويج بأهل الديانات والمذاهب الأخرى»، وكان الكلام هناك يدور حول «الحاجة الروحية للشريك»، بما يَرتبط بالاستقرار والرضا الروحي بين الزوجين وتقليص الخلافات والتصادمات الفكرية فيما بينهما، وبما ينعكس على «التربية» لاحقاً من جهة اعتناق الأبناء لفكر أحد الزوجين، ووقوع التضارب الفكري والقانوني وعدم الانسجام الأسري.

بينما الكلام هنا، يَدور حول أصل كون التزويج يراد في أحد أهدافه ل «حِفظ الدين»، ومن ثم النظر للاختلاف المذهبي والديني بين الشريكين من هذه الجهة لا تلك، ففَرْق بين القضيتين هنا وهناك؛ فالتفِتْ.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com