آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإصلاح الديني.. الضرورة والعقبات

لم يعد الحديث عن ضرورة مقاربة مشاريع الإصلاح الديني في مجتمعاتنا الإسلامية ترفا فكريا بقدر ما هو ضرورة حضارية يفرضها الواقع الثقافي لمجتمعاتنا.. فهذه المجتمعات التقليدية ترتكز على الدين ويتداخل الدين في جميع تفاصيل شؤونها السياسية والاجتماعية والاقتصادية بخلاف مجتمعات أخرى تجاوزت هذا التداخل وتعاطت مع الدين بوصفه القيم المطلقة وهيأت البيئة المدنية التي يتم التعامل فيها مع الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

من هنا يمكن القول أن هذا التداخل والترابط بين الدين والشؤون الحياتية في المجتمعات التقليدية يجعل من الدين المكون اﻷساس للهوية ومدخل النهوض أو التخلف للمجتمع..

وعندما نتحدث عن الدين المتغلغل في النسيج الفكري للمجتمع، فنحن لا نتحدث عن الدين بصورته المعيارية وقيمه العليا والمطلقة بل نتحدث عن تراكم تاريخي لفهم علماء الدين لتلك القيم والمعايير وعن ممارسات ثقافية واجتماعية تأصلت عبر الزمن وبفعل الخطاب الديني الشائع في مجتمعاتنا وبالتالي تم إنتاج فهم ديني يمتزج فيه البشري بالالهي ولا يمثل القيم العليا بالضرورة..

الإصلاح الديني ينطلق من ضرورة تفكيك الخطاب الديني وإعادة تقييم هذا التراكم التاريخي للاجتهادات البشرية وإعادة قراءة النص الديني وفق اﻷدوات المعرفية الحديثة من أجل تخليص الثقافة من بعض التراكمات التي باتت معوقات تحول دون تسريع وتحفيز عملية النهوض الثقافي والاجتماعي..

كما سائر الإصلاحات في كافة المجالات الإنسانية.. لا يمكن تصوير عملية الإصلاح الديني بالعملية البسيطة كونها تواجه مجموعة من القوى الممانعة والمحافظة بالإضافة إلى عوامل موضوعية أخرى تعقد مشاريع الإصلاح.. ويمكن الرجوع إلى التجارب الرائدة لمشاريع الإصلاح في الفكر الإسلامي لرصد التحديات التي واجهت تلك المشاريع..

وبالتالي فإن الإصلاح الديني يتطلب إلى جانبه وبصورة متوازية جهدا ثقافيا لنزع أو تخفيف مفاعيل تلك القوى النابذة للإصلاح.. كما يتطلب الإصلاح خلق البيئة الملائمة لنموه وتقدمه..

ومن هنا يمكن القول أن الكثير من تحديات الإصلاح متجذرة بنيويا في المجتمع التقليدي وبعضها يرتدي لباسا مقدسا، مما يصعب عملية تحييد هذه التحديات.. ولكن الضرورة الملحة للإصلاح تملي الحاجة إلى الشروع فيه دون اعتبار لتراتبية تفكيك التحديات وممارسة الإصلاح.. إذ أن تحقيقه لاختراقات ولو كانت طفيفة في الفكر الديني كفيل بإضعاف تلك المعوقات..