آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 7:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

وحدتنا الوطنية أكبر منك..!!

الدكتور محمد المسعود

﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين «33» ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم «34» وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم «35» وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم «36»

كم هو بعيد وقصي خطاب الشيخ المؤيد عن هذه الروح القرآنية الطاهرة والرفيعة، في فكرها وفي دلالتها ومعانيها. ورغبة مني متعمدة بالإيجاز سوف أثير بعض الملاحظات الكلية على أطروحات الشيخ المؤيد متوجها بوجهي تلقاء «الشأن الوطني وحده» ثم لا يعنيني تشيعه أو تسننه، أو ما هو أبعد أو أقرب إليهما، فذاك شأن يخصه، ولا صلة إلى أحد به. إنه سبيل أخرته، وسبيل ربه، وخلاصه الفردي. الذي لا ولاية لأحد عليه. ولا ينبغي له أن يكون شأنا عاما. تحت أي مبرر يفترضه تجار المذاهب، وأرباب قنواتها عمياء البصيرة نتنة الريح. خبيثة المقاصد.

أولا: لا ينبغي إستثمار العاطفة الدينية في مجتمع لتمرير غايات سياسية فاسدة، كما لا ينبغي أن نٌلغي رشدنا وعقولنا وبصيرتنا، بوصفنا مواطنين على حد سواء شيعتنا وسنتنا. نقف أمام المسؤولية المشتركة للسلم الأهلي والسلام المجتمعي الذي عشناه معا، والذين يجب أن نكون أمناء مخلصين في إيصالهما للأجيال التي سترثنا وترث هذه الأرض بذات التنوع والتعدد والوحدة الوطنية أيضا.

وبذا لا يجوز أن نٌعطي الشيخ المؤيد حصانة من النقد في مشاريعه السياسية، بغطاء التحول المذهبي، حتى ولو كانت تلك السياسة التي يجاهر في السعي إليها تنتهي إلى تدمير كل تاريخ التعايش والسلم الأهلي في دول الخليج، وتتعارض مع نظامها الداخلي، وقانونها العام.

ثانيا: من الواضح أن التطرف من الجانبين يغيب عقله تماما، بحيث لا يُبصر الدلائل ولا النتائج، وهذا واضح من خلال سلوك ساذج بسيط، يرتكز على استقدام «قنابل بشرية»، لديها مشاكلها النفسية والإجتماعية في محيطها الإجتماعي، ثم يثنى لها الوسادة في الفضاء المفتوح لتثير الضغائن والكراهية، وتهدد السلم الأهلي عند عروض أي خلل أمني لا قدر الله حيث تثور الضغائن المتراكمة، والمتجذرة عبر الزمن

ولعل الطبيعة النفسية والعقلية التي نجدها في «تعليقات» المواقع الرقمية للأخبار ذات الطبيعة الطائفية، تجعلنا نشعر بالتوجس والشعور بالقلق الشديد، عن حجم الإزدراء والكراهية والتمييز لتلك الأسباب المتصلة بالمعتقدات الدينية لبعض المواطنين.

لذا نؤكد كما في كل مرة وللمرة العشرة الآف وواحد أن نقدنا له فيما له صلة مباشرة «بالشأن الوطني فقط ولا يتعداه لغيره».. عل هذه الكلمة تستقر في ألآذان ولا تنزلق عنها. ولكي لا يحرف الكلم عن مواضعه وهم يعلمون ويبصرون.

ثالثا: «تحذير السنة من الشيعة» هذه هي رسالته التي سوف يسخر نفسه وجهده في سبيلها، أن يسعى في المجتمع الخليجي ليحذر طائفة من طائفة أخرى هي جزء أساسي من نسيجها الإنساني والوطني عبر التاريخ، وهما معا تشاركا في لحظات الفرح والحزن والمرة والحلوة، حيث كانت بيوت السنة تحتفظ بالتراب المصبوب لصلاة جيرانهم من النساء والرجال من الشيعة في بيوتهم. حيث الأبواب المفتوحة بلا أقفال، وحيث النوافذ مطلة على بعضها بستائر من عفة نفس الجيران الرفيعة جدا.. وحيث رحلات الغوص والصيد والقدر المشترك وطلب رغيف الخبز المشاع وكل إنسانيتنا الصادقة، وطهرنا النبيل، عبر التاريخ الممتد الطويل. ولا تزال بحمد الله في أكثر مظاهرها وأجمل تجلياتها، هذه الروح الرفيعة التي تتجسد في الحياة الثقافية والاجتماعية وبعض دول الخليج أرفع درجات في التعايش وأجمل تطبيقا في سيادة القانون على الجميع من بعض.

يأتي المؤيد من العراق.. ليحذر الجار من جاره، وليثير الضغائن بين الأشقاء في الدين والوطن ووحدة المصير ووحدة المنقلب..! وفي توقيت قيام مشروع الدول الطائفية الصغرى في الشرق الأوسط الجديد، وتقسيم المقسم، وتجزئة المُتجرأ. ما علاقة هذا بالتحول المذهبي لصاحب الفضيلة المؤيد؟. ولمصلحة من ستكون النتائج؟! ومن هو المستفيد من إثارة الفتن الداخلية، وتهديد اللحمة الوطنية!!.

رابعا: إن أجاز الشيخ المؤيد لنفسه، أن يحاكم المواطنين الشيعة في دول الخليج العربي بنظام - محاكم التفتيش - وبقاعدة العلم بالغيب، وكشف ما في الصدور. ونفي الوطنية عنهم، والصدق في الإنتماء إلى أوطانهم!! وقد شق الله عن علم ما في الصدور والقلوب والعقول له وأنزله على قلبه..

فهل يسمح لنا فضيلته أن نستعير منه هذه «المعجزة» التي أختصها الله بها دون سائر خلقه من الأولين والآخرين والأنبياء والمرسلين.. لنقول لفضيلته بذات قواعده التي يستخرج بها أحكامه على النسيج الإنساني العظيم في الخليج من الطائفة الشيعية والذين يسهمون عبر التاريخ في بناء أوطانهم بشرف ونبل وصدق طاهر.

إنني أقرر بذات - سوء الظن - الذي لا يفارق لسانه عند الحديث عن المواطنين الأصليين من شيعة الخليج. وأقول أن المؤيد مشروع مخابراتي عراقي يتظاهر بالتحول المذهبي، ثم يتسلل عبر نظرية «الضحية المحتملة» إلى الخليج مستثمرا العاطفة الدينية الشديدة في هذه الدول، ومن ثم يعمد إلى إثارة الفتنة الطائفية، وتهيئة النفوس والعقول لتدمير الوحدة الوطنية لدول الخليج من الداخل..!!

هذا الإحتمال قريب الوقوع جدا..! سيما وأن العراق يشعر أن له ثأر لم يناله من السعودية بعد، وسيما أن المؤيد ليس لديه مشروع مستقبلي غير إثارة الفتنة بين النسيج الإجتماعي.. في هذه الدول!! وتحريض حكامها على هذه الأقليات داخلها.

ودون ريب ليس مصادفة أختيار المملكة كمنطلق لهذا المشروع، وذلك لأنها تكاد تكون الوحيدة من بين باقي دول مجلس التعاون التي لم تشرع بعد قانون الوحدة الوطنية. التي تقطع الطريق على قطاعين الطرق، وتجار المذاهب، وعبدة هيكل الكراهية.

خامسا: من الشواهد المؤيدة على هذه النظرية.. تعمد المؤيد تزييف الواقع الإنساني والتاريخي للإنسان الشيعي البسيط، الذي تجده لا يشعر أن له سببا يجعله مختلفا عن غيره في وطن يحبه وينتمي إليه ويفتديه بروحه ودمه..!.

كما أن المؤيد لا يتكلم باللغة العلمية التي تنقل الإنسان إلى القناعات العقلية الصحيحة، أو الصدمة العقلية التي تستوجب التوقف في يقين المعتقد السابق الذي كان يؤمن به المؤيد والذي يفترض أنه بلغ في العلم به مبلغا رفيعا وعظيما كما يفترض، أو أن يقبض على قلمه في تحرير كتاب يوجز أو يسهب فيه هذه التجربة العلمية لهذا التحول لينال عظيم أجر المهتدين بهديه.

إلا أنه يترك هذا، وهو على عجلة من أمره ويتجه مباشرة إلى أساليب التحريض، والشحن النفسي، والتخوين. ومحاكمة النوايا وتعميم الأحكام. وجعل التمييز للشيعة بسبب معتقداتهم الدينية، وكراهيتهم ونبذهم أمرا سائغا بل ومستحب ومندوب إليه يصل عنده حد الواجب الذي يفرغ نفسه تفرغا تاما للقيام به. وبشرط أن يكون خارج بلده وتماما في الدول المصنفة أنها ضد بلده سياسيا، وبالنتيجة التي تنتهي إلى تدمير الوحدة الوطنية، وتقسيم الناس بحسب معتقداتهم الدينية خروجا على وحدتهم الوطنية الجامعة. والتي تمثل الركن الأساس لكيان أي دولة في العالم.

أخيرا.

يجب أن يعلم فضيلة الشيخ المؤيد، ومن يسوق لفتنته الطائفية أن النظام الأساسي للحكم في بلاد الحرمين يمنع كل ما يثير الفتنة الطائفية والقبلية، وتعاقب كل من يسعى لشحن طائفة من المواطنين ضد طائفة أخرى.

وينبغي أن يعلم الشيخ المؤيد أن المتاجرة بالعواطف الدينية للمتطرفين سوق باتت كاسدة بعموم الوعي، ويقظة العقول في دول الخليج بشيعتهم وسنتهم..!

ونقول له. بوصفك ضيف لا تجعل من نفسك وطنيا أكثر من المواطنين الأصليين من الآف السنين، ولا تقدم نفسك بوصفك ملكيا أكثر من الملك. وأتقي الله في دماء المسلمين وفي وحدتهم، ولم شملهم. ولو أن بيدنا نظاما كنظام الكويت «قانون الوحدة الوطنية». لسقناك إلى القضاء العدل ليحكم فيك بحكمه بوصفك قدمت إلى قوم قد أجتمعت قلوبهم وكلمتهم على وحدتهم الوطنية والإنسانية والاجتماعية فسعيت للفتنة بينهم، وإثارة الضغائن والكراهية والنبذ. وهذا كله لا صلة له بتحولك المذهبي الذي يفقد قيمته كل يوم بمقدار ما يتم المتاجرة به، أو توظيفه سياسيا.

حين يهتم رجل الدين بشيء محدد كل قول وفعل منه يعود إليه وإن منهم من لم يقرأ قوله تعالى:

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114]،

قل خيرا في جمع كلمة الأمة وعدم فرقتها، أو أصمت، والصمت عن السوء، عبادة وحكمة وفقه ومن الخير لك أن تتصف بواحدة منها تترحل بها إلى قبرك وظلمته ووقوفك بين يدي ربك