آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 7:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

أهمية زيارة الإمام الحسين في كلمات الإمام الرضا

الشيخ حسين المصطفى

روي عن الإمام موسى الكاظم أنه قال لبنيه: " هَذَا أَخُوكُمْ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى عَالِمُ آلِ مُحَمَّدٍ، فَسَلُوهُ عَنْ أَدْيَانِكُمْ، وَاحْفَظُوا مَا يَقُولُ لَكُمْ " [الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: ص 290].

إنّ علاقاتنا برموز الإسلام هي علاقتنا بالإسلام نفسه، لأنهم كانوا الإسلام الذي يتحدث ويتحرك ويواجه التحدي، ولذا نريد هذا اليوم أن نجلس في مجلس علم أبي الحسن الرضا لنكتسب من خطه فكراً وعاطفة وحركة حياة.

يصفه بعض أصحابه، وهو إبراهيم بن العباس، قال: " مَا رَأَيْتُ الرِّضَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْ‏ءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنْهُ بِمَا كَانَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ إِلَى وَقْتِهِ وَعَصْرِهِ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ يَمْتَحِنُهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ فَيُجِيبُ فِيهِ، وَكَانَ كَلَامُهُ كُلُّهُ وَجَوَابُهُ وَتَمَثُّلُهُ انْتِزَاعَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ - بمعنى أنّه كان يستوحي آيات القرآن في كل ما يُسأل عنه وما يجيب فيه - وَكَانَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، وَيَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَخْتِمَهُ فِي أَقْرَبَ مِنْ ثَلَاثٍ لَخَتَمْتُ، وَلَكِنِّي مَا مَرَرْتُ بِآيَةٍ قَطُّ إِلَّا فَكَّرْتُ فِيهَا، وَفِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أُنْزِلَتْ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ، فَلِذَلِكَ صِرْتُ أَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ ".

ويقول - أيضاً - واصفاً اثنا عشر خلقاً من أخلاقه :

1. " مَا رَأَيْتُ الرِّضَا جَفَا أَحَداً بِكَلَامٍ قَطُّ..

2. وَلَا رَأَيْتُهُ قَطَعَ عَلَى أَحَدٍ كَلَامَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ..

3. وَمَا رَدَّ أَحَداً عَنْ حَاجَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا..

4. وَلَا مَدَّ رِجْلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ قَطُّ..

5. وَلَا اتَّكَأَ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ قَطُّ..

6. وَلَا رَأَيْتُهُ شَتَمَ أَحَداً مِنْ مَوَالِيهِ وَمَمَالِيكِهِ..

7. وَلَا رَأَيْتُهُ تَفَلَ قَطُّ.. «أي أَمَامَ النَّاسِ»

8. وَلَا رَأَيْتُهُ يُقَهْقِهُ فِي ضِحْكِهِ، بَلْ كَانَ ضِحْكُهُ التَّبَسُّمَ..

9. وَكَانَ إِذَا خَلَا وَنَصَبَ مَائِدَتَهُ، أَجْلِسَ مَعَهُ عَلَى مَائِدَتِهِ مَمَالِيكَهُ وَمَوَالِيهِ حَتَّى الْبَوَّابَ وَالسَّائِسَ..

10. وَكَانَ قَلِيلَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ، كَثِيرَ السَّهَرِ، يُحْيِي أَكْثَرَ لَيَالِيهِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى الصُّبْحِ..

11. وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَلَا يَفُوتُهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ، وَيَقُولُ: ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ..

12. وَكَانَ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ وَالصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْهُ فِي اللَّيَالِي الْمُظْلِمَةِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى مِثْلَهُ فِي فَضْلِهِ فَلَا تُصَدِّقُوهُ " [عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 197 ح 44].

وأول محطة تستوقفنا عندما بدأ رحلته إلى خراسان، حيث توقف في نيسابور، واجتمع إليه الرواة الذين كان كلُّ دورهم أن يرووا عن رسول الله ﷺ من خلال الأئمة .

فقد حدّث عماد الدين محمّد بن أبي سعدبن عبدالكريم الوزّان في محرّم سنة 596 قال: أورد صاحب كتاب "تاريخ نيسابور" في كتابه‌: أنّ علي بن موسى الرِّضا لما دخل إلی نيسابور كان في مهد علی «بَغْلَة شَهْبَاء». فعرض له في السوق ‌: الإمامان الحافظان للاحاديث النبوية: أبوزُرْعَة، ومحمّد بن أسلم الطوسي رحمهما الله، فقالا: أيّها السيّد ابن السادة! أيّها الإمام ابن الائمّة! أيّها السلالة الطاهرة الرضيّة! أيّها الخلاصة الزاكية النبويّة، بحقّ آبائك الأطهرين، وأسلافك الأكرمين إلّا ما أريتنا وجهك المبارك الميمون، ورويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدّك نذكرك به.

فاستوقف البغلة، ورفع المظلّة. وأقرَّ عيون المسلمين بطلعته المباركة الميمونة، فكانت ذؤابتاه كذؤابتي رسول الله ﷺ، والناس علی طبقاتهم قيام كلّهم.

فأملى هذا الحديث، وعُدَّ من المحابر أربع وعشرون ألفاً.. والمستملي أبُو زُرْعَة الرازي، وَمُحَمَّدُ بن أَسْلَم الطوسي رحمهما الله.

فقال : حدّثني أبي موسى بن جعفر الكاظم، قال ‌: حدّثني أبي جعفرُ بن محمّد الصادق، قال‌: حدّثني أبي محمّدُ بنُ علي الباقر، قال‌: حدّثني أبي عليُ بنُ الحسين زَيْنُ العابدين، قال‌: حدّثني أبي الحسينُ بنُ علي شَهيدُ أرض كَرْبَلاء، قال‌: حدّثني أبي أميرُ المؤمنين عليُ بنُ أبي طالب شهيد أرض الكوفة، قال: حدّثني أخي وابنُ عمّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: حدّثني جَبْرَئيلُ قَالَ: سَمِعْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ وَتعالی يَقُولُ: " كَلِمَةُ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ حِصْنِي، فَمَنْ قَالَهَا دَخَلَ حِصْنِي؛ وَمَنْ دَخَلَ حِصْنِي أَمِنَ مِنْ عَذَابِي ".

فقد أراد أن يؤكّد للناس من خلال هذه الكلمة، أصالة التوحيد التي انطلقت بها كل رسالات الأنبياء، وأنَّ الله هو خالقُ كلِّ شيء وربُّ كلِّ شيء، له القوة والعزة جميعاً، وهو المهيمن على الأمر كلِّه، والقاهر فوق عباده، وهو الذي يستجيب لعباده ويريد لهم أن يسألوه وحده ولا يسألوا غيره.

نعم، نحن نتوسَل بأهل البيت ونرجو من الله أن يشفّعهم بنا، وهذا ما ورد في دعاء الخميس: " وَصَلِّ عَلى مُحمَّدٍ وَاَّلِ مُحَمَّدٍ، وَاجْعَلْ تَوَسُّلِي بِهِ شافِعاً، يَوْمَ القِيامَةِ نافِعاً"، وأهل البيت يملكون الشفاعة بما منحهم الله من كرامة في هذا الشأن، فأنا أتوسل لله بالنبي وبأهل البيت لمكانتهم عند الله، والله هو الذي يشفّع ويُكرم، مع تعظيمنا للنبي ﷺ ولأهل بيته .

حسن الظنّ بالله:

لقد كان يحدِّث الناس بالحديث الذي يريد من خلاله أن ننفتح على الله، بحيث تكون لنا الثقة بالله فننتظر من الله تعالى كل الخير في حاجاتنا وما نقبل عليه من مصير بحيث نتصوره تعالى في موقع «حسن الظن بالله».

ففي الصحيح عن الإمام الرضا : " أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً ". فعندما تتجه إلى الله ومعك كل أحلامك وحاجاتك وآلامك وتطلّعاتك، إذن:

1. لا تشعر باليأس ولا بالسقوط، بل عليك أن ترتفع في كلِّ ما تطلبه من ربِّك، فربُّك القادر على كلِّ شيء فلا يعجزه شيء.

2. واذكر ربَّك في مواقع رحمته حتى تفيض عليك..

3. وانظر ربَّك في مواقع قدرته حتى تعرف أنَّ الله قادر على أن يحقق كلَّ ما تريده مما يصعب عليك الوصول إليه..

4. واذكر ربَّك في مواقع مغفرته ورضوانه، وانثر بين يديه ذنوبك..

5. ضع في يقينك أنّه سبحانه سيغفر هذه الذنوب لك وأنّه سيرضى عنك إذا أحسنت تخطيط قلبك للحق ونبضاته للخير وحياتك للعدل.

فإنَّ الله عز وجل يقول: " أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً ". فهو سبحانه ينظر إليك ليرى مقدار ظنك به..

فهل تظن بربك الخير حيث إنّه يمثل الخير المطلق، فسيجزيك خيراً؟!.. أو تظن بربك الشر، وأنّه لن يغفر لك، ولن يرحمك، ولن يحقق لك حاجاتك، ولن يرضى عنك إذا نظرت إليه نظرة اليائس الذي أغلق عقله وقلبه عن ربه؟!! فسوف تكون نتيجة ظن الشر بالله أن يحقق لك ذلك الشر.

ولذلك فإنّ المسألة تنعكس إيجابياً على أمرين:

1 - في جانب الإيمان الذي يقوى عندما يعيش الإنسان الثقة بالله.

2 - وفي الجانب النفسي عندما تطرد النفس عوامل اليأس كلها في مشاعرها وأحاسيسها وتطلّعاتها، لأنها تلتفت إلى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللهِ.

من علامـات الفقـه:

في هذا الجوّ، يقول أبو الحسن الرضا كما في الصحيح: " مِنْ عَلامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمُ وَالْعِلْمُ وَالصَّمْتُ. إِنَّ الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ، إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ، إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ".

وليس المراد بالفقه - هنا - علم الفقه، وإنما يراد به: الفهم والوعي والتدبّر، وعلاماته: " الْحِلْمُ وَالْعِلْمُ وَالصَّمْتُ ".

فـ «العلم»: أي الإنسان الذي يختزن الوعي في شخصيته، والذي يملك الفهم لما حوله ولمن حوله، هو الإنسان الذي يتميّز بالعلم الذي يجعله ينفتح على مواقع الحياة المتصلة بمسؤوليته..

و «الحلم» هو الذي إذا واجه الحياة في آلامها ومشاكلها وصراعاتها وانفعالاتها، كان الإنسان الهادىء الطبع الذي لا يعنِّف، بل يوسِّع صدره حتى لا يضيق بشيء.

و «الصمت» الذي يجعله قادراً على أن يلجم الكلمة التي لا تنفع الحياة ليفسح المجال للكلمة التي تنفع الحياة.

ولماذا الصمت؟!! لأمور:

1 - " إِنَّ الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ "؛ لأنّ الصمت الذي يتجلل بالفكر والتعمّق يجعلك تدرس مواقع الأشياء وما تحتاجه لتضع الأشياء في مواضعها، والحكمة هي أن تضع الشيء في موضعه.. فتضع الكلمة المناسبة في المقام المناسب، والفعل المناسب في الموقف المناسب، والشخص المناسب في المكان المناسب، والخطّ المناسب في اتجاه الهدف المناسب.

2 - " إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ "، أي المحبة للناس، لأنّهم يرونك الإنسان الذي لا تنفعل مواقفه وكلماته، ويكسبك المحبة - قبل ذلك - لله تعالى؛ لأنّ الكلمات غير المسؤولة هي التي تسخط الله عليك.

3 - " إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ". لأنَّ مشكلتنا هي في هذه الضوضاء النفسيّة والاجتماعية، والضوضاء الطائفية والحزبية والسياسية والعصبية التي تجتمع في عقولنا وفي قلوبنا، فتحجب عنّا وضوح الرؤيا، وبذلك تندفع هذه الضوضاء النفسية لتجعل الإنسان مهذاراً يعبّر عنها بضوضاء الكلمات.

وعندما تتحرك الكلمات في هذه الأجواء فإنّها تجعل مصيرك ومصير مجتمعك يعيشون الجهل والحقد والعصبية. إنَّ الله يريدنا أن نعمل الصمت الذي ينظّم لنا تفكيرنا، لا الصمت الذي يشلُّ إرادتنا عن الكلمة. وهذا هو درس الإمام الرضا .

لقد كان يحدِّث الناس ويرآهم يعيشون في سجن ذواتهم، وتتضخّم شخصياتهم عند أنفسهم لتوهمهم بأنّهم يملكون شيئاً من العلم أو المال أو الجاه أو السلطة..

وكان يخاطب هؤلاء ليقول لهم إنّ التكبر في الإنسان يعني أنه لا يعيش معنى إنسانيته؛ لأنَّنا كلما عشنا وفهمنا معنى إنسانيتنا أكثر، عشنا ونحن نفهم معنى إنسانية الآخر أكثر؛ لأنَّ الإنسانية في عمقها شيء واحد. وإذا أدركت أنَّ للإنسان بعض الحاجات التي يطلبها في الآخر، فإن عليك أن تفهم بأنّ للآخر حاجاته التي يطلبها منك.

أهمية زيارة الإمام الحسين :

لا شك أنّ نهضة الحسين كان لها تأثير بالغ وكبير في حركة التأريخ الإسلامي وحياة المسلمين عامة، بحيث أدَّت تفاعلاتها الواقعية في حركة الأمة إلى حفظ الإسلام والأمة الإسلامية من كثير من مخاطر الانحراف.

وكان للشعائر الحسينية دورها المكمِّل لدور الثورة نفسها ويكاد يختص هذا الدور بالمسلمين الشيعة وحدهم، وإن كان له بعض التأثير في أوساط المسلمين عامة أيضاً.

وممّا امتازت به الامامية العناية بزيارة القبور «قبور النبي والأئمّة » وتشييدها، وإقامة العمارات الضخمة عليها، ولأجلها يضحُّون بكلّ غال ورخيص، عن إيمان وطيب نفس.

ومردّ كلّ ذلك إلى وصايا الأئمّة، وحثِّهم شيعتهم على الزيارة، وترغيبهم فيما لها من الثواب الجزيل عند الله تعالى؛ باعتبار أنّها من أفضل الطاعات والقربات بعد العبادات الواجبة، وباعتبار أنّ هاتيك القبور من خير المواقع لاستجابة الدعاء والانقطاع إلى الله تعالى.

وجعلوها أيضاً من تمام الوفاء بعهود الأئمّة؛ فقد روى الكليني بسنده عن الحسن بن علي الوشَّاء، قال: سَمِعْتُ الرِّضَا يَقُولُ: " إِنَّ لِكُلِّ إِمَامٍ عَهْداً فِي عُنُقِ أَوْلِيَائِهِ وَشِيعَتِهِ، وَإِنَّ مِنْ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَحُسْنِ الْأَدَاءِ زِيَارَةَ قُبُورِهِمْ، فَمَنْ زَارَهُمْ رَغْبَةً فِي زِيَارَتِهِمْ وَتَصْدِيقاً بِمَا رَغِبُوا فِيهِ، كَانَ أَئِمَّتُهُمْ شُفَعَاءَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " [الكافي: ج 4 ص 567، وكامل الزيارات: ص 122، والفقيه: ج 2 ص 577 ح 3160، وعيون أخبار الرضا: ج 2 ص 260، وعلل الشرائع: ص 459، ومزار المفيد: ص 159، والمقنعة: ص 474، والتهذيب: ج 6 ص 78 و93].

وفي زيارة القبور من الفوائد الدينية والاجتماعية ما تستحقّ العناية من أئمتنا، فهي:

1. تزيد من رابطة الولاء والمحبة بين الأئمة وأوليائهم.

2. تجدّد في النفوس ذكر مآثرهم وأخلاقهم وجهادهم في سبيل الحق.

3. تجمع في مواسمها أشتات المسلمين المتفرِّقين على صعيد واحد؛ ليتعارفوا ويتآلفوا، ثمّ تطبع في قلوبهم روح الانقياد إلى الله تعالى، والانقطاع إليه، وطاعة أوامره.

4. تلقِّنهم في مضامين عبارات الزيارات البليغة الواردة عن آل البيت حقيقة التوحيد والاعتراف بقدسيّة الاسلام والرسالة المحمّدية، وما يجب على المسلم من الخُلُق العالي الرصين، والخضوع إلى مدِّبر الكون، وشكر آلائه ونعمه، فهي من هذه الجهة تقوم بنفس وظيفة الدعاء. بل بعضها يشتمل على أبلغ الأدعية وأسماها، كزيارة أمين الله. وهي الزيارة المرويّة عن الامام زين العابدين .

5. إنّ في آداب الزيارة أيضاً من التعليم والإرشاد ما يؤكِّد من تحقيق تلك المعاني الدينية السامية، من نحو رفع معنوية المسلم، وتنمية روح العطف على الفقير، وحمله على حسن العشرة والسلوك، والتحبّب إلى مخالطة الناس.

زيارة عرش الله:

روى ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن الخيبري، عن الحسين بن محمد القمي، عن أبي الحسن الرضا قال: " مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبِي عَبْدِ اللهِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ كَانَ كَمَنْ زَارَ اللهَ فَوْقَ عَرْشِهِ" [كامل الزيارات: ص 147 ح 2].

وهذه الرواية وإن كانت مبتلاة بالضعف إلا أنها مقبولة؛ لكونها وردت بسند صحيح عن غير الرضا :

فقد روى ابن قولويه - بإسناد صحيح - عن زيد الشحام قال: قلت لأبي عبد الله : ما لمن زار قبر الحسين ؟ قال " كَانَ كَمَنْ زَارَ اللهَ في عَرْشِهِ.. " [كامل الزيارات: ص 147 ح 1].

وكذلك رواها الشيخ الطوسي - بسند صحيح - [التهذيب: ج 6 ص 43 ح 120].

وروى ابن قولويه أيضاً - بإسناد معتبر - عن عبد الله بن مُسكان، عن أبي عبد الله قال: " مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ كَتَبَهُ اللهُ فِي عِلِّيِّينَ" [كامل الزيارات: ص 148 ح 8].

وروى مثله أيضاً - بإسناد معتبر - عن هارون بن خارجة، قال سمعت أبا عبد الله يقول: " مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَهُ اللهُ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ" [كامل الزيارات: ص 148 ح 6].

ومن علماء الزيدية محمد بن علي الشجري يروي بسنده إلى الحسن بن علي قال: "كُنَّا مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا وَحَارِثُ الْأَعْوَرُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَزُورُونَ قَبْرَ ابْنِيَ الْحُسَيْنِ، فَمَنْ زَارَهُ فَكَأَنَّمَا زَارَنِي، وَمَنْ زَارَنِي فَكَأَنَّمَا زَارَ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَلَا مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ فَكَأَنَّمَا زَارَ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ" [فضل زيارة الحسين للشجري: ص 39].

وهذا التعبير «زَارَ اللهَ عَلَى عَرْشِهِ» اشترك فيه الرسول ﷺ وحفيده الحسين .

وقد تثير هذه العبارات جدلاً طويلاً، بحيث يقول البعض منا: إنَّ مساواة منـزلة الحسين بمنـزلة الله سبحانه وتعالى غير جائزة، كما إنَّ القول بزيارة الإنسان لله في عرشه يتناقض مع المذهب الجعفري الذي ينفي التشبيه عن ذات الله تعالى نفياً قاطعاً؟!

نعم، لا يراد بزيارة الله في عرشه معناه الحقيقي، وهو زيارة المؤمن للذات الإلهية المستقرة فوق العرش كما يعتقده المجسِّمة، بل هذا معنى كنائي يراد به الدلالة على كثرة الثواب والأجر، وعلو المنزلة والرفعة، وقد ذكره علماء الطائفة:

قال الصدوق «قده»: " معنى قوله : "كان كمن زار الله تعالى في عرشه" ليس بتشبيه؛ لأنَّ الملائكة تزور العرش وتلوذ به وتطوف حوله، وتقول نزور الله في عرشه كما نقول: نحج بيت الله ونزور الله؛ لأنَّ الله تعالى ليس بموصوف بمكان، تعالى عن ذلك علواً كبيراً" [عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 291، وأمالي الصدوق: ص 182].

وقال الشيخ الطوسي «قده»: " معنى قول الصادق : "من زار رسول الله ﷺ كمن زار الله فوق عرشه"، هو أنَّ لزائره من المثوبة والأجر العظيم والتبجيل في يوم القيامة كمن رفعه الله إلى سمائه وأدناه من عرشه الذي يحمله الملائكة، وأراه من خاصة ملائكته ما يكون به توكيد كرامته، وليس على ما تظنه العامة من مقتضى التشبيه " [التهذيب: ج 2 ص 1].

وقال الشيخ المجلسي «قده» في شرح هذا الحديث: " قوله كمن زار الله في عرشه أي عبد الله أو لاقى الأنبياء والأوصياء هناك، فإنَّ زيارتهم كزيارة الله أو يجعل له مرتبة من القرب كمن صعد عرش ملك وزاره، وقد مرَّ تأويله في كلام الشيخ أيضاً " [بحار الأنوار: ج 89 ص 69].

وقال الشهيد الأول «قده»: " وهو كناية عن كثرة الثواب والإجلال، بمثابة من رفعه الله إلى سمائه وأدناه من عرشه وأراه من خاصة ملكه ما يكون به توكيد كرامته " [الدروس: ج 2 ص 10].

وقال المحقق السبزواري: " معناه أنَّ لزائره من المثوبة والأجر العظيم والتبجيل يوم القيامة كمن رفعه الله الى سمائه، وأدناه من عرشه الذي تحمله الملائكة، وأراه من خاصة ملكه ما يكون به توكيد كرامته، وليس على ما يظنه العامة في مقتضى التشبيه " [معارج اليقين في أصول الدين: ص 70].

وقال الشيخ يوسف البحراني «قده»: " وهو كناية من علو المرتبة، وكثرة الثواب بمنزلة من رفعه الله إلى سمائه، وأدناه من عرشه الذي هو موضع عظمته " [الحدائق الناضرة: ج 17 ص 434].

وقال السيد محسن الأمين «قده»: " هذا من باب التشبيه والتنزيل فإنه لو أمكن لأحد أن يزور الله فوق عرشه لكان في أعلى الدرجات، فشبّه به من زاره ﷺ، ولا يلزم التجسيم لوجوب الخروج عقلاً عن ظاهر الكلام كما وجب الخروج عن ظاهر ﴿الرحمن على العرش استوى.. " [مفتاح الجنان ج 2 ص 9].

ونقرب هذا المعنى بما رواه الشيخ الصدوق - بسند معتبر - عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لعلي بن موسى الرضا : يا بن رسول الله، ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ فقال ﷺ: " يَا أَبَا الصِّلَتِ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَضَّلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمَلَائِكَةِ، وَجَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ مُتَابَعَتَهُ، وَزِيَارَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ زِيَارَتَهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجِلَ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي فَقَدْ زَارَ اللهَ. دَرَجَةُ النَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ أَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ، فَمَنْ زَارَهُ إِلَى دَرَجَتِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَدْ زَارَ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى " [التوحيد: ص117 ح 21].

ونلاحظ على هذا الحديث أنَّ الإمام الرضا لم ينفِ صدور حديث زيارة المؤمنين لربهم في الجنة، ولكنه فسَّره بأنَّ المراد به زيارة النبي ﷺ، كما أنَّه بيَّن أنَّ منشأ هذه الفضيلة للنبي ﷺ أنَّ الله عز وجل هو الذي فضَّل نبيه على جميع خلقه، فمنحه هذا الحكم في الأجر والمنزلة، ولا يمكن بأيِّ حال أن يكون النبي ﷺ المفضَّل أفضل من المفضِّل أي الله سبحانه.

وفي الحديث القدسي المعروف: " لَمْ يَسَعْنِي سَمَائِي وَلَا أَرْضِي، وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِن ".

فإذا كان قلبك عرشاً لله بما تملكه من الوعي لله، فكيف بقلب الحسين الذي هو عرش الله الأكبر، فتهفو لذلك القلب الطاهر قلوب المؤمنين.

اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى عَليِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا الْمُرْتَضى عَبْدِكَ وَوَلِيِّ دينِكَ الْقائِمِ بِعَدْلِكَ وَالدّاعي اِلى دينِكَ وَدينِ آبائِهِ الصّادِقينَ صَلاةً لا يَقْوى عَلى اِحْصائِها غَيْرُكَ.

واَلسَّلامُ عَلَيْكَ يَا أبَا عَبدِ اللهِ وَعَلَى الاْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنائِكَ عَلَيْكُمْ مِنّي جَميعاً سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ.