آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 7:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

هل سنكرر خطأ تحريم أجهزة المذياع؟!

حسين أحمد بزبوز *

من التجارب يتعلم أفراد البشر، ومن التجارب تتعلم الشعوب والجماعات أيضاً. ولا يعيد أخطاء الماضي باستمرار، إلا الجهلة والحمقى من الأفراد، ومن الشعوب أيضاً.

وهذان الوصفان الأخيران، بالطبع مستفزان ومزعجان بلا شك للكثيرين، بل ربما للجميع أيضاً. لكن الأكثر إزعاجاً منهما حقاً، هو واقع الأمة المريض، وواقع أوطاننا وجماهيرنا التي تنخر في كيانات قوتها بوهم الإصلاح، وواقع أن يكون الإنسانُ جاهلاً حقيقياً، وأن يكون أحمقاً حقاً وفي نفس الوقت يظن أنه على الحق. والصراحة هنا لذلك، قد تكون، بل في الأغلب ستكون، ضرورية ومطلوبة ونافعة.

وقد شهد تاريخنا وواقعنا الإجتماعي والسياسي كثيراً من التحولات والصراعات والصدامات والمواجهات المخجلة والمضحكة والملفتة، وربما يزعج البعض أو الكثيرين من الناس هنا، أن نقول لهم وأن نذكرهم بأن الناس كانوا في موقفٍ ما هنا أو آخر هناك، حمقى، وأن قراراتهم في مقابل قرارات الدولة كانت خاطئة، وأن القرار الرسمي كان هو الحق والصواب والأكثر ملاءمةً وتوفيقاً من القرار أو الرأي الجماهيري والشعبي الذي كان مصادماً له، أو من قرارات وتوجهات ورغبات بعض أفراد تلك الجماهير الصارخة.

وهنا فقد تبدو التزكية للجهات الرسمية والأنظمة الحاكمة، في قبال تسفيه واستخفاف الإنسان بعقلية الجماهير أو بعضها، فعلاً بغيضاً منبوذاً من قبل الكثيرين. لكن ذلك قد يكون مطلباً ضرورياً وواجباً عقلياً إجتماعياً تحقيقاً للمصالح العليا ولمصلحة الامة، التي لن تتحقق إلا بانكشاف ذلك المستور.

والواقع أن ما نقوم به اليوم هنا في هذه المقالة، ليس تطبيلاً للحكومات ولا تزكيةً لها، كما قد يصوره بعض المصابين بهلوسات إسقاط الماضي على الحاضر دوماً، وتوريط الدين في كل حكمٍ أو رأيٍ سياسيٍ يتبنونه أو يصدرونه. وليس خافياً أن الأنظمة السياسية في عالم اليوم كلها أو معظمها، تعترف بالقصور وبوجود الفساد بنسبة ما في أجهزتها وأنظمتها وضمن أفرادها المديرين لبرامجها وخططها وأجهزتها. وليس ذلك بحاجة لجهد مجتهدٍ لإثباته أو إقراره، وهو تحصيل حاصلٍ، واعترافٌ بكائنٍ، تم ويتم حقاً الإعتراف رسمياً به.

لكن الخفي هنا، هو تخبط الجماهير وغباؤها السياسي الديني المزدوج، عندما تعارض تلك الجماهير القرارات السياسية من منطلقات دينية مغلوطة وخاطئة تطعن في كل الضمائر الرسمية والسياسية، وتصمها بالظلامية التامة دون أن تدع فسحة أمل ولا مجالاً للثقة في برنامج أو مشروع أو مسؤول، ثم تتراجع عن آرائها وقراراتها وأفكارها ومواقفها السياسية والإجتماعية والمطلبية المتخبطة لاحقاً، دون اعتذار، ودون أن تستطيع رؤية الحقيقة الواقعية الواضحة، الماثلة في معارضتها المستمرة لقرارات رسمية صحيحة ونافعة ووقوعها في الرفض السلبي بجهل وباستمرار، رغم تكرارها كثيراً لأخطائها.

لذا فما سأقوم به هنا، هو محاولة بسيطة فقط، لفضح تلك التوجهات الشعبية، والتباسات غباءات الجمهور وجهل الجماهير بصوابية الحكومات والأجهزة الرسمية، في مشهدٍ هو أقربٌ واقعاً لأن يتوارى فيه الباطل من أمام الأنظار والأبصار، من أن يكون مكشوفاً ومعلوماً وحاضراً ومبصراً بقوة.

ولذا فإنني أقول مذكراً، ودون خشية من أحدٍ، أن الجماهير أو شرائح منها قد وقفت في وقتٍ قريبٍ وليس بالبعيد، موقفاً مناوئاً من السماح الرسمي باستعمال أجهزة المذياع قديماً، فتم تحريم ذلك في أربعينيات القرن العشرين، بينما تأسس رسمياً في عام 1932 م، أول نظام راديو خاص لتزويد الملك بالمعلومات من المراكز والمدن على نطاق المملكة، والأخبار الخارجية حول الأحداث الجارية، وانطلق البث الاذاعي في المملكة عبر أول محطة اذاعية انشأتها حكومة المملكة في مدينة جدة، وكانت الإذاعة آنذاك تسمى إذاعة ”مكة المكرمة“. وبقيت تلك الأفكار الرجعية المصادمة عالقة في قبالة التوجهات الرسمية الصائبة، حتى تم تجاوز ذلك المأزق مع مرور الزمن.

وفي الخمسينيات من ذلك القرن أيضاً، ظهرت كذلك فتاوى تحرم الفونوغراف أو مشغل الأسطوانات «البشتختة»، لتتكرر المواقف الخاطئة في صورٍ أخرى مشابهة.

ومن تلك المواقف الدينية المتطرفة أيضاً، والتي يجدر أن نذكر بها في سياق حديثنا هنا، والتي تجسد هوس تحريم كل جديد، ورهاب التجديد والتغيير والإنفتاح، ورعب تبدل العادات والتقاليد والأفكار، تحريم تعليم المرأة، الذي تجاوزته حكمة وبصيرة الحكومة السياسية القائمة، ومعرفة رجال السياسة والإدارة بالمصالح العامة، والذي كشف جهل وتخبط بعض أو كثيرٍ من رجال الدين السنة والشيعة... الخ، بالحاجات البشرية الحقيقية وبالمصالح العامة، وزيف شعاراتهم الدينية الخاطئة.

لقد حارب بعض بل كثيرٍ من رجال الدين ومن يتبعونهم على تنوعهم بجهلٍ: المذياع والفونوغراف والدراجة والتلفاز وتعليم المرأة وأجهزة الفيديو والدش الفضائي وأفلام الكرتون ورسوم ذوات الأرواح والإنترنت وأجهزة الجوال أبو كاميرا... الخ.

والقضية هنا، ليست قضية تحريم ديني ثم تحليل فقط، ولا تبدل إجتهادات، ولا تقلب أراء دينية وتبدلها باستمرار بلا بصيرة، بل أيضاً قضية موقف ديني ضد الموقف السياسي الرسمي للأجهزة التي تدير البلدان المعاصرة في المجتمعات الإسلامية، أو بصيغة أخرى معارضة سياسية دينية وجماهيرية الجوهر والمنطلق، تظهر فيها المواقف المتخبطة في قبالة المواقف الحكيمة والرزينة، وتظهر فيها صوابية أو خطأ تشخيص المصلحة العامة، من قبل هذا الفريق أو ذاك.

والقضية ليست كامنة هنا كما أسلفنا، في رغبتنا في تصويب كل القرارات الحكومية، ولا في تزكيتنا لكل الآراء السياسية، ولا في إدعاء العصمة لمسؤولين لا يملكون تلك العصمة، بل القضية كامنة في محاولات كشف عورة قرار ورأي ديني لا يمكن نقده، يخفي عيوبه خلف هالات من القداسة الدينية، وموقف أو قرار سياسي أو رسمي حكومي بشري قابل للصواب والخطأ، يمكن فهم بشريته، ونقاشه بموضوعية، ونقده وتصحيحه أو نقضه.

وربما يجادلنا البعض هنا، محاولاً إتهام القرار الرسمي والسياسي، وتأثيمه دائماً وأبداً في أطر تفسيق وتبديع وتضليل واتهام الأنظمة السياسية دائماً وأبداً بالاتكاء على عداء ديني أو اجتماعي، بالقول بأن الدور الرسمي، كان دائماً وأبداً، مشرعاً ومفرزاً للقرارات والفتاوى الدينية الغريبة والخاطئة، ومحدثاً لها.

لذا أحب هنا أن أذكر بشيءٍ من ذلك الصدام بين الرأي والقرار الرسمي الإداري، الذي يسير في مسارات مصلحة ونمو وازدهار وتحضر البلد من جهة، وذلك القرار والرأي الديني الخاطيء المصادم له عبر شاهدٍ بينٍ وواضحٍ. وشاهدي الحي هنا الحاضر كمثالٍ واضحٍ يكشف طبيعة ذلك الصراع حتى اليوم، هو جهود الدولة المستمرة من جهة، في تذليل كل العقبات في سبيل توظيف المرأة طبيبة وممرضة وتوطين توظيفها في مختلف قطاعات الدولة، وما يعارضه من فكر وقرارات حملة فكر التشدد من السنة والشيعة على السواء، وما بات يبصر الكثيرون منا اليوم، أنه مما كان ولازال يسير في مسارات خدمتنا ومصلحتنا جميعاً كمجتمع وكأمة وكوطن، ومما بات الكثيرون ربما يعروفون أنه سبب ضروري من أسباب نهضة ورقي هذا البلد وهذه الأمة.

إن هذه السلسلة المستمرة من التناقضات، التي عرفها الماضي ولازلنا نعيشها حتى اليوم في الحاضر، تكشف لنا خللاً حقيقياً خطيراً وجوهرياً في بنية النقد السياسي في مجتمعاتنا. فالموقف الشعبي، ليس موقفاً راقياً ولا نزيهاً ذكياً مقدساً يجب أو يجوز الدفاع عنه دوماً، بحجة الحقوق أو المطالب أو الحق في مقابل الباطل، كما قد يتصور أو يحرص على أن يصور لنا البعض. بل إن آراء الجماهير كثيراً ما تكون في مجتمعاتنا خاطئة وخاضعة لأهواء أو قناعات أو عواطف دينية أو غير دينية مدمرة تصب في مسارات غير صحيحة، كفيلة بأن تدمر البلدان والأوطان، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية، بل والإسلامية عموماً أيضاً. وهنا فترك المعارضة السياسية، والتركيز فقط على البناء الفردي والمجتمعي، أولى من الإستمرار في هذا النوع الغبي من المعارضة.

إن تجاوزنا في الحاضر لعقبات كثيرٍ من تلك الإشكالات القديمة من المعارضة السياسية/الدينية، التي عرفها الماضي بكل معاني تحجرها وتطرفها، لا يعني أن تلك المواقف الجماهيرية الخاطئة، خصوصاً تلك المتكئة على عصي استدلال دينية منخورة لا تمثل رقي الدين وتحضره، قد انتهت، أو أنها في سبيلها للزوال. فهي لازالت حاضرة في واقعنا بصيغةٍ ما حتى اليوم.

وهنا فها نحن ننظر اليوم، للناقمين على الحوار الوطني والمستهزئين به، ونسمع ما يردده الهامزون واللامزون فيما يقوم به مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، من نشر ثقافة الحوار والتعايش والمساواة واحترام الأقليات ونشر قيم العدل والمواطنة، ومنهم من يسمونه ب ”الخوار الوطني“ أو ”الحمار الوطني“... الخ، ولعل الكثيرين منا، لا يبصرون بعد ببساطة، أن هذه الحالة هي نفسها تناقضات الماضي الماثلة في الحاضر، بين القرار والرأي السياسي/ والرأي والقرار الإجتماعي أو الإجتماعي الديني، لكن في ثوبٍ جديدٍ. وربما لا يرى الكثيرون أن هؤلاء هم فقط دون أن يشعروا من يجسدون فريق الأمس البائد، ممن عارضوا الدولة في توجهاتها الصحيحة، فأصدروا فتاوى تحريم تعليم المرأة أو رفضوا التلفاز أو حاربوا توظيف المرأة... الخ. فتلك الوجوه والألسن والعقول المشبعة بجهلها وظلاميتها، وباحتقاناتها السياسية، ورؤاها الدينية غير الناضجة، هي هي نفسها أسلافها وهي غيرها - إن صح التعبير -.

وإن التاريخ حقاً ليعيد نفسه. وما يجري من ذلك الصدام الأخرق حتى اليوم، يسيء حقاً للحمتنا السياسية، ولواقعنا الوطني، كثيراً. فإلى متى ستستمر هذه الإعتراضات الخاطئة على منهجيتها الخاطئة، بعيداً عن النقد الصحي والنزيه والموضوعي؟!. وإلى متى سنستمر نعيد خطأ تحريم المذياع... الخ، فنحارب خطوات وقرارات الدولة وتوجهاتها السليمة والصحيحة، بسبب منطلقاتنا الخاطئة، دينية كانت أم غيرها؟!!.

إن الحكومات المتعاقبة قد قدمت لنا واقعاً شواهد كثيرة على أن النخب السياسية كانت قادرة على الدوام على إبصار «المصالح العامة»، وكشفت بتلك القرارات التي اتخذتا فعلاً، أن النخب السياسية والإدارية، رغم الملاحظات المشروعة على أدائها، ورغم ما لا يمكن إنكاره من سلبيات، قد سبقت وعي الجماهير بالمصالح الوطنية والعامة، بمراحل شاسعة.

بينما قدمت لنا الجماهير في مقابل ذلك كله، عبر العقود المنصرمة من قيام الدولة في صيغتها المدنية الحديثة، كثيراً من النماذج المقابلة الخاطئة وغير الصحيحة، الدالة على خواء فكر شرائح واسعة من الجماهير، خصوصا تلك المتشدقة بالقشور الدينية. فكانت تلك المعارضات السلبية داءً بدل الدواء، وكانت بالتأكيد مما زاد الطين بلة.

لذا يمكن القول أننا بدل أن نكون نقاداً واعين مبصرين، قادرين على مساعدة الجهود الوطنية على السير للأمام، بتنا بسبب لوثة بل لوثات تفكير خاطئة، دعاة هدمٍ وتخريبٍ وتدمير، وعصي حمقاء تنغرز في عجلات تقدم هذا الوطن.

فرفقاً بنا يا من جعلوا حربهم على الفساد سبباً للإفساد في أوطاننا، يا من يزعمون أن الفساد والخطأ لا يقع فقط إلا من قبل أجهزة الدولة والمسؤولين فيها. فالكل قد يخطيء، وهناك كثيرٌ من الأمثلة التي يجب أن تجعلنا جميعاً في موقف المساءلة الجريئة والصريحة والجادة لكل من يدعي أن الجمهور أو العصب الدينية داخل بناء المجتمع، هي المالكة وحدها لخيوط العصمة والإخلاص والقداسة.

إننا بحاجة لمصالحة وطنية جادة، مبنية على أن الفساد قد يصدر من كل أحدٍ، وأن الإصلاح أيضاً قد يصدر من كل أحد. وإننا حقاً لبحاجة لجهود بناءٍ في أطر السلم، أكثر من حاجتنا لمعارضة سلبية، بل إن وجود مثل تلك المعارضات السلبية في مجتمعاتنا لهو جزءٌ من الشقاء المعكر لحالات السلم الضرورية والمؤهلة للبناء، التي توغر النفوس وتلغي كثيراً من الدوافع الإيجابية.

كاتب سعودي «القطيف»