آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما هو سر إبداع وتميز العلامة الفضلي؟

من خلال جلساتي المتكررة مع العلامة الفضلي وبشكل أسبوعي ومن خلال أيضا ما قرأته من مؤلفاته ومقالاته وما حضرت من محاضراته وندواته، سجلت انطباعا خاصا ورؤية دقيقة عن شخصية العلامة رضوان الله تعالى عليه، وذلك أن سر إبداع وتميز العلامة الفضلي رضوان الله تعالى عليه في نتاجه الفكري والمعرفي يرجع وبشكل أساس إلى وحدة المنهجية ووحدة الهدف. والمنهجية التي أقصدها هي المنهجية الرسالية التي اتبعها العلامة الفضلي في كل أعماله. بل إنك تجد تلك المنهجية الرسالية في كل مفردة من مفردات حياته. سمِّ تلك المفردة ما شئت: في البيت كفرد من أفراد الأسرة، في المدرسة والحوزة والجامعة كتلميذ وزميل وأستاذ، كمؤلف وقارئ، كباحث ومحقق، كمحاضر ومستمع.

المتتبع لحياة العلامة الفضلي العلمية والفكرية والاجتماعية والسلوكية يجد أن منهجيته الرسالية في الحياة تتمحور في الارتقاء بالإنسان في جميع المجالات. كما هي سمة عباد الله الصالحين، كان الشيخ الفضلي إنسانا رساليا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، يحمل في حنايا صدره هم أمة كاملة، كان يريد أن تكون الأمة الإسلامية أمة رائدة في جميع المجالات. اهتم بالفرد كإنسان واهتم بالمجتمع كأمة، تجد ذلك جليا في كثير من كتاباته ومحاضراته، والندوات التي شارك فيها.

سوف أستعرض بعض الأمثلة التي توضح منهجه الرسالي:

1 - المناهج التعليمية:

المناهج التعليمية التي ألفها الشيخ الفضلي سواء الحوزوية منها أو الأكاديمية، اتسمت بنسق واحد من حيث الهدف، منذ أن ألف كتاب ”التربية الدينية“ في الستينات لطلاب منتدى النشر في النجف الأشرف إلى أن ألف كتاب ”دروس في فقه الإمامية“.

تجد أنه كان يهدف - من تأليف كتاب ”التربية الدينية“ - إلى تنشئة ذلك الإنسان المقبل على الحياة تنشئة دينية واعية لتحصنه عن الانزلاق في متاهات الحياة، ولترسم له طريقا معبدا إلى الكمالات.

وأراد من تأليف كتاب ”دروس في فقه الإمامية“ ليكون منطلقا للبحث العلمي في الفقه الإمامي لطلاب العلوم الدينية في مرحلة البحث الخارج. حيث اشتمل الكتاب على بحوث تمهيدية وبحوث استدلالية لتكون المدخل العلمي لدراسة الفقه الاستدلالي الإمامي. ويهدف من ذلك ليضع طلبة العلوم الدينية في مرحلة البحث الخارج على الطريق الصحيح في كيفية التعاطي مع البحوث الفقهية دراسة ومناقشة وتقريرا وتحليلا.

وسوف تجد هذه المنهجية الرسالية ذاتها في جميع المناهج التعليمية التي ألفها العلامة الفضلي، ألفها بتلك الروحية الرسالية وبالهمة ذاتها في كل المقررات التعليمية، وفي كل مرة يؤلف كتابا يُسخّر كل طاقاته العلمية والفكرية والمعرفية ليظهره على أكمل وجه، وكأنه أول كتاب له.

2 - مشكلة الفقر:

طرح العلامة الفضلي مشكلة الفقر في الستينات من القرن العشرين الميلادي، وكانت محاولة منه لإيجاد حلول ناجعة لها. تلك المشكلة الأزلية العالمية، فهي أم المشاكل التي يعاني منها كثير من المجتمعات، قديما وحديثا. فحسه الإنساني دفعه بالدرجة الأولى لتأليف كتاب ”مشكلة الفقر“ ليساهم ولو بشيء يسير في رفع المعاناة عن بني الإنسان. وبالدرجة الثانية دفعه حسه الإسلامي وذلك بإظهار أن الإسلام نظام حياة شامل لديه الحلول الجوهرية لحل مشكلة الفقر في العالم، تلك المشكلة التي خفق النظامان الرأسمالي والشيوعي في حلها.

3 - في انتظار الإمام :

انتهى الشيخ الفضلي من تأليف كتابه «في انتظار الإمام» في عام 1964م وطبع في عام 1968م، وقد تأخر طباعة الكتاب لعدم حصول الشيخ الفضلي على فسح لطباعته من قبل الثقافة والإرشاد في العراق، ولم يحصل على الفسح إلا في عام 1968م. ويمثّل كتابه ”في انتظار الإمام“ أحد أهم المصادر البحثية التي سلطت الضوء على فكرة إقامة الدولة الإسلامية في عصر الغيبة، ومن خلاله تستشف إلى أي مدى وصل إليه الشيخ الفضلي من وعي سياسي في سن مبكرة من عمره الشريف. ويهدف من هذه الدراسة إلى الارتقاء بوعي المجتمع لواقع الحياة المعاصرة وحقيقة قضاياها الراهنة.

4 - فن التعايش:

وفي جانب آخر من جوانب الحياة، أظهر الشيخ الفضلي بعدا إنسانيا من خلال دعوته إلى التعايش بين الفئات المختلفة دينيا وفكريا وعرقيا. وتجد هذا البعد الإنساني لدى الشيخ الفضلي في محاضراته في موضوع حوار الحضارات، حيث يدعو إلى الحوار والتعايش السلمي بين كل الفئات. وتجد ذلك أيضا ماثلا في كتابه ”قراءة في كتاب التوحيد“. وقد قدم المهندس فؤاد الفضلي مشروعا عن فن التعايش والانفتاح على الآخر من خلال ورقة عمل ألقاها في الذكرى السنوية لرحيل العلامة الفضلي بعنوان ”الفضيل يجمعنا“، كسمة بارزة في شخصية العلامة الفضلي. ألقاها الأستاذ فؤاد في الحفل الذي تم في محافظة القطيف.

5 - إجاباته على المسائل الشرعية وغيرها:

الشيخ الفضلي عالم رباني، حيث يمتاز بغزارة علمه وشموليته، واتساع دائرة معرفته، إذا سأله أحد ما عن مسألة فقهية، تراه لا يكتفي بإعطاء الحكم أو الفتوى فحسب بل يحلل المسألة إلى عناصرها الأولية ويفصلها تفصيلا موضوعيا دقيقا ويبين المباني - أي النصوص والقواعد الفقهية - التي اعتمد عليها الفقيه في إصدار الفتوى.

وإذا كان السؤال استفسارا عن أي موضوع في شتى ميادين الحياة الاجتماعية والتربوية والثقافية والاقتصادية والسياسية واللغوية وغيرها من المجالات، كان الشيخ الفضلي يتبع الأسلوب نفسه في الإجابة عن تلكم الاستفسارات، ولذلك تجد إجابته تتسم بالمنهجية، وكان دائما يركز على خبرات الآخرين في تلك المجالات المختلفة ليعطي السائل أفقا واسعا.

ولكن لماذا هذا الإسهاب والشرح المطول عن سؤال قد تكفيه إجابة من كلمتين؟ إن الشيخ رحمه الله تعالى يفرغ عن تربية دينية إسلامية قد تمتع بها ومارسها الرسول الأعظم ﷺ واتبعه فيها أهل البيت من خلال تعليم وتثقيف أبنائهم وأصحابهم وأفراد مجتمعهم. اتخذ الشيخ رضوان الله تعالى عليه من رسول الله ﷺ وأهل بيته الطاهرين قدوة ونبراسا في مسيرته الحياتية والتعليمية. لذا تجده يهتم كثيرا في تثقيف السائل والارتقاء به معرفيا، لأنه رضوان الله تعالى عليه يعتبر ذلك السائل متفقها وليس متلقيا للفتوى فحسب، ويعتبره باحثا وليس متلقيا للمعرفة فقط.

6 - بذل الكتاب قبل الطبع:

كان الشيخ الفضلي رضوان الله تعالى عليه يبذل الكتب التي انتهى من تأليفها إلى الباحثين، والمهتمين بموضوعها قبل طباعتها وهي ما زالت مخطوطة بخط يده. كان يبذلها قربة لوجه الله تعالى لأن هدفه من التأليف هو إنجاز المعرفة وبذلها والمساهمة بها في الارتقاء بالإنسان والمجتمع والأمة. وقد رأيت بعض المخطوطات المصورة لدى بعض الباحثين.

7 - الأفكار الجديدة والمتجددة:

قلّ ما تخلو محاضرات العلامة الفضلي وندواته من الأطروحات والرؤى الجديدة. وعندما يمر الشيخ الفضلي على بعض جوانب الموضوع التي لم تأخذ نصيبها من البحث والاستقراء كان يلفت نظر الباحثين والمثقفين إلى هذه الجوانب، ويشجعهم على طرق أبواب تلك الجوانب بالبحث والدراسة.

وكثيرا ما وجد المثقفون والباحثون في محاضراته وندواته أفكارا جديدة. وكانت تلك الأفكار نواة لبحوث ومؤلفات. وقد رأينا كثيرا من الكتب والبحوث التي استلهمت فكرتها من محاضرات وندوات الشيخ الفضلي.