آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 10:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حفظ الهوية الثقافية وجدل الإصلاح الديني

تأسيسا على حقيقة تداخل الديني بالسياسي في المجتمع التقليدي، يمكن الإنطلاق للبحث في موضوع الهوية الدينية وموقعيتها في عملية الإصلاح الديني..

فالواقع السياسي في المجتمعات التقليدية لا يزال واقعا ملتبسا في توصيفه للتنوع الثقافي بداخله.. وهذا الالتباس يعود حقيقة لغياب اﻷطر المدنية التي يتمثل الناس من خلالها على الساحة السياسية وبالتالي يمتلكون القدرة عن طريقها في التعبير عن رؤيتهم وتطلعاتهم في بناء مجتمعاتهم..

فالكثير من المجتمعات التقليدية تفتقر للنقابات العمالية والاتحادات الطلابية والجمعيات الثقافية المستقلة فضلا عن اﻷحزاب السياسية.. غياب هذه الفضاءات المدنية من الساحة السياسية يضعف نزعة الانتماءات اﻷفقية داخل المجتمع ويعزز الانتماءات العمودية المتمثلة بالانتماء الطائفي أو القبلي أو المناطقي.. وبالتالي تتشكل الهوية الفرعية الطائفية أو القبلية بصورة فاقعة وتمثل غطاء للفرد يتمترس به حين يخوض في غمار السياسة والتدافع مع اﻵخرين..

وحتى في بعض المجتمعات العربية التقليدية التي تبلورت فيها مؤسسات المجتمع المدني كاﻷحزاب، أعيد انتاج الهوية الفرعية في قوالب أخرى فتحولت الأحزاب في كثير من اﻷحيان إلى واجهات مذهبية ولم تخلق انتماءا أفقيا حقيقيا يعزز الهوية الجامعة.. وهذا الواقع يعود إلى الظروف التاريخية والبيئة التي تبلورت فيها تلك اﻷحزاب وواقع الاصطفافات العمودية القائمة حينذاك وفشل النخب في إحداث تعاقدات متينة قائمة على أسس رؤى جامعة ومشتركة في بناء المجتمعات وبالتالي تسللت نزعة الإنتماء الطائفي إلى أدبيات المؤسسات المدنية وتحولت الجمعيات والنقابات والإتحادات إلى مناطق نفوذ يتنافس عليها ممثلو الإنتماءات القديمة..

وبالتالي يمكن أن نخلص إلى القول بأن الهوية الطائفية تحولت إلى قلعة تمترس سياسي وتوزعت الانتماءات المذهبية على الخارطة السياسية كقوى تتدافع ضمن المشهد السياسي مما ولد خطوط حمراء وضرورات تحصن ”القلاع الطائفية“ ومن يلوذ بها، وتحولت الخلافات السياسية والثقافية إلى خلافات دينية..

هذا التداخل المعقد والمعمق ولد حالة مناكفات سياسية مغلفة بالدين.. وفي ظل حالة تصاعد التوتر السياسي في المنطقة تصاعدت الطائفية بحكم ذلك التداخل والترابط..

هذا الوضع عقد مسألة الإصلاح الديني وأحاطها بخطوط شائكة ومعقدة.. فالمنازعات الثقافية والفكرية والسياسية انتقلت من الإطار المعرفي الواسع إلى الإطار المقدس مما حتم استخدام أدوات حادة كالتكفير والتفسيق وضيق هوامش الحرية في الحراك الثقافي تحت وطأة تلك اﻷدوات..

وعلى جانب آخر.. الصراعات السياسية أسهمت في محاربة جهود الإصلاح الديني باعتبارها تهديدا للهوية التي يشعر المتصارعون بانتمائهم الوجودي من خلالها.. وأن أي مقاربة للإصلاح هي بداية للاندماج وزوال الهوية وبالتالي ذوبان رؤيتهم ومصالحهم ومقدراتهم ضمن محيطهم لذي يتفاعلون فيه مع اﻵخر الذي يرونه مختلف الهوية والرؤية..

وبالتالي يمكن فهم توتر المحافظين والممانعين للإصلاح من هذا المنطلق.. اﻷمر الذي يتطلب تنفيس الاحتقان الطائفي والعمل على فك الترابط الطائفي السياسي لخفض مستوى التراشق الطائفي وتهدئة اﻷوساط الاجتماعية لتتقبل الإصلاح وما يقتضيه من عملية نقد جاد للموروث والمألوف..

كما ينبغي اعتبار إصلاح بنية الفكر السياسي للمجتمع أحد مداخل الإصلاح، إذ أنه يقلص حضور الهويات الضيقة عندما ينجح في بلورة هوية جامعة وعندما يوفر نطاقات مدنية ينشط من خلالها الناس في التعبير عن رؤاهم في بناء المجتمع وإدارة مقدراتهم..