آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

بين التنوير والتقليد

مجتبى آل عمير *

كثيرًا ما يستنكِر مثقفونا تقليدَ الفقهاء - واتباع علماء الدين في مسائل الدين عمومًا - تقليدًا أعمى، ويُرد عليهم بأن مسألة التقليد هي نفسها القاعدة العقلائية القاضية برجوع الجاهل إلى العالم، أو العامي إلى المختص، ومن الطبيعي أن العاميّ [1]  يثق ويطمئن برأي العالم المختص أكثر من ثقته بتخميناته وقياساته واستنتاجاته «عادةً»، ولهذا فإن العمل بالإحتمال الأرجح الناشئ من تقليد العالم هو أبرأ لذمة المكلف، ولهذا يُطلب تقليد الأعلم، كون الثقة برأيه أعلى من غيره بحكم أعلميته.

إذًا فمبرر التقليد ومعياره هو تلك الثقة العامة بكون فتاوى الفقهاء أقرب إلى مُراد الله، ومن هنا فإنا عندما نشك في رأي معين فلا يعود هنا معنىً للتقليد إذ نحن هنا لا نطمئن أو نثق أو نرجّح كون هذا الرأي أو هذا الحكم هو الأقرب لمراد الله [2] ، أي إذا تمّ ما قلناه من تحليل للتقليد المتعارف من كونه مُبررًّا بالثقة والإحتمال الأقرب والأرجح، فإنه لا يصح التقليد ولو من دون اطمئنان وثقة ورجحان، بل أحيانًا يثق البعض ويطمئن بخطأ تلك الفتوى وبُعدها عن حكم الله، وترك التقليد في هذه الحالة الثانية أبلغ، فزوال علة التقليد - وهي الثقة برأي الفقيه - يجعل من المنطقي زوال المعلول، أي التقليد نفسه.

وهنا يُطرح السؤال الجوهريّ الذي لا يمكن إغفاله والتهاون به، وهو السؤال عن كيفية حصول اطمئنان مضاد ومعاكس لرأي الفقيه المتبحر في العلوم الدينية من العاميّ الذي هو سطحيّ فيها - أي العلوم الدينية -، فالمتسائل هنا يسأل عن معيار آخر للثقة برأي ديني غير التفقّه في نفس العلوم الدينية «كعلم الرجال والأصول...»، ويُجاب بأن المعيار الآخر هو العقل.

نعم، فليس العامّي جاهلٌ بالحكم الشرعي جهلًا تامًا مُطبقًا كي يقلد تقليدًا مطلقًا أعمى، بل لديه علم إجمالي بأن أحكام الشرع - على الأقل - عُقلائية وإنسانية وعادلة، ولذلك يمكن معايرة الحكم التفصيلي بالعلم الإجمالي، وعندما تتناقض ولا تنسجم بعض فتاوى الفقهاء مع تلك القيم[3]  - في نظر المكلف على أقل - فإنه لا يصح ولا ينبغي - لذلك المكلف - التمسك بها.

إذًا؛ فعقلانية الرأي هي معيار آخر للإطمئنان به لقبوله، مع عدم نسيان الفقهاء كمعيار كما ذكرنا في البداية، ونضج العقل يكون - في رأيي - بسعة الأفق، والإحاطة بمُختلف الآراء والأفكار في العلوم التي تتقاطع «تشترك» مسائلها بمسائل العلوم الدينية وترتبط معها كالعلوم الإجتماعية والتربوية والإقتصادية والقانونية والسياسية، بالإضافة إلى الخبرة الحياتية، ومع ذلك فمعايير كون الشيء عقلانيًا لن تكون - ولا يُتوقع منها أن تكون - مضبوطة بالأرقام، كما هو الحال مع معايير تعيين الفقيه العالم والأعلم، أي أن معايير كون الشخص عالمًا لا تختلف عن معايير كون الشيء عقلانيًا في كونها أمرًا غير مضبوط بدقة - إلى الآن على الأقل -، ولكنها محل احترام متى أعطتنا الثقة والإطمئنان.

إن الدين يتدخل في حياة الناس؛ فيُعاش ويُعاين فيُقاس ويُتعقل[4] ، هنا لا تستطيع أن تأمر الناس - ولا سيما المثقفين والمطلعين على العلوم الإنسانية الحديثة - بأن يعيشوا الدين والفقه بلا عقل وبلا أن يقيسوا فتاوى الفقهاء مع قيم الدين، وعندما يكتشف أحدهم تناقضًا بين القيم المُّدعى قيام الدين عليها وبين فتاوى الفقهاء - بغض النظر عن موافقتنا أنا وأنت لكشفه أو لا - فعند ذلك يكون من الأفضل أن يُعزي هذا التناقض للفقيه وعمله[5] ، بدلًا من أن يُعزيه للدين.

وهنا أيضًا لا تكفي هتافات المتدينين بقصور العقل وكون أحكام الله لا تصاب بالعقول، فإن العقل - رغم اعترافنا بقصوره الجزئي والنسبي - هو المبرر للإلتزام بالدين، وإن كون أحكام الله لا تصاب بالعقول هو غير كون فتاوى الفقهاء وآراء العلماء لابد من قبولها وإن لم تقبلها العقول [6] ، ويحلوا هنا لبعض «المتديننين» أن يرموا رأينا وأصحابه باتباع الهوى والمزاج، والتآمر الدين والتقليل من شأن حصون المذهب، وغير ذلك من الكلام الذي لا يستحق التوقف عنده.

والمقاربة العقلية لا تقتصر على ترجيح رأي فقيه على رأي فقيه آخر، بل إذا كانت المعقولية أساسًا ومعيارًا فقد يؤدي بنا هذا إلى ترجيح رأي غير فقيه على كل الفقهاء إذا أعطى رأيه اطمئنانًا أعلى من آراء الفقهاء، ولعل القارئ جرَّب أن يستمع لنصيحة في التربية من أخصائي تربية - أو ما شابه هذه الأمور - ومع ذلك لم يعمل بها لأنه لم يقتنع بكلامه مع أنه مختصص، فالتخصص ليس الأول والآخر، خصوصًا في مسائل حياتيّة مُعاشة كهذه [7] .

”فلتن لديك القدرة على استعمال عقلك؛ ذلك شعار التنوير“ كما يقول الفيلسوف «كانط»، وأنّي لأعلم أن هذه المقاربة تضعف ثقة الناس بآراء الفقهاء - من جهة كونها آراءً لهم - ولكنها أفضل - وأفضل وأفضل - من تعطيل العقل، وأفضل من أن تَضعُف ثقة الناس بصلاحية الدين من أصله[8]  والله المستعان.

خاتمة:

إن ما ندعوا إليه، هو أن لا يكون رأي الفقيه جوابًا نهائيًا، ولا يكون محل تقليد حتي لو خالف قناعة المكلف، أي أن يكون التقليد في الأحكام الشرعية كرجوع العامي للمتخصص في باقي المعارف، بتفعيل العقل واحترام التخصص.

[1]  العامي هنا ليست إساءة أو استنقاص وإنما المقصود بها هو: غير المتخصص.

[2]  ومجرد الشك في مسألة معينة لا يعني سقوط «الثقة العامة» بفتاوى العلماء والفقهاء، بل إن أقصى ما يمكن أن يفعله هو إضعاف تلك الثقة.

[3]  تلك القيم التي نبرر اعتقادنا والتزامنا بديننا بكونها أهدافًا ومبدئَ له، ونعيب على غيرنا التزامهم بأديان ومذاهب تخالف وتناقض القيم.

[4]  فليست كل الأحكام الشرعية بأحكام تعبدية لكي يسلم الناس للفقهاء تسليمًا، وحتى لو رأى الفقيه تعبدية بعض الأحكام فهذا لا يعني أن الناس يسلموا له في رأيه هذا، ولذا ينبغي الالتفات هنا إلى أن بعضًا - وأظن كثيرًا - من المثقفين يرون أن من الأمور الغير عقلانية هو كثرة التعبديات والعلل الغيبية، أو التعبّديات في بعض المواضع الحياتيّة.

[5]  إرجاع الخطأ للفقيه هنا إرجاع إجمالي، ولا يشترط أن يعرف فيه المكلف أن موضع خطأ الفقيه كان في أي مسألة تحديدًا.

[6]  كنت أنوي ذكر بعض الأحكام الفقهية اللاعقلانية لولا الخشية من القراءة الانتقائية «الاستزلالية»، ولكني أضرب مثالًا واحدًا، إنه عندما يفتي فقيه بحرمة الترحم على مثل مانديلا وغاندي، فهذا يطمئن امرأً مثلي بأن هذه الفتوى بعيدة عن حكم الله ولو قال بها كل الفقهاء.

[7]  ينبغي الالتفات إلى أن من لا يثقون أصلًا بالجماعة المسمين بالفقهاء، ولا مقتنعين بأصولهم ولا بمناهجهم فالوضع معهم أكثر مرونة.

[8]  يُنقل عن المرحوم السيد محمد حسين فضل الله أنه قال: إذا تعارض العلم والدين؛ فعلى الدين أن يراجع أوراقه.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
السيهاتي
20 / 7 / 2014م - 5:04 م
كلامك إجمالا مقبول ولكن يفتقر للأدلة الواقعية التي فيها الفقيه يقول حكما يتناقض مع مدارك عقلك أو قناعاتك فحتى تكتمل الصورة أخي العزيز الرجاء الإتيان ببعض الأدلة من أحكام قالها فقيه لا تتناسب مع عقلك وقناعاتك ودمت موفقا لكل خير
2
المتدين العقلاني
[ سيهات ]: 22 / 7 / 2014م - 2:55 م
لماذا يستكر المثقفون دائما أن تقليد الفقهاء تقليدا أعمى ؟ولماذا المثقفون يشككون في رجاحة راي الفقيه ؟ متى يحصل الإطمئنان عندكم لرأي الفقيه ؟ وإذا كان العامي على حسب تعبيرك يمتلك علم إجمالي عقلاني وانساني وعادلة فهل المطلوب من الفقيه أن يشرح تفاصيل أحكام العبادات أو المعاملات كلها ،وهل تتوقع أنه يكتشف العامي العقلاني التناقض في رأيه كمتخصص في علم الأصول والفقه (مجتهد) نسميها .
أيحق لك أن تنسب للمثقفين والمطلعين أمثالك بالعقلانية دون المتيديين الذين عطلوا عقولهم بإنباع المرجع !
أتمنى من الأخ الاطلاع الواسع عن أدلة ضرورة تقليد المراجع من خلال النصوص الواردة من قول المعصومين .
أين العقلانية بإتباع إيمانول كانت أليس هذا تقليد أعمى الذي يؤمن بالله بالضمير وليس البراهين العقلية
3
المتدين العقلاني
[ سيهات ]: 22 / 7 / 2014م - 2:56 م
مع العلم أن حركة التجديد الفقهي في علم الفقه والأصول أجتازت عند الشيعو مراجل كبيرة بمعزل عن الفكر الغربي بل من خلال اجتهادات تصحيحية في مسار نظريات المعرفة واللإلهيات والفهم العميق للنص دون استئصاله من العملية التجديدة من هنا يمكن أن نستخدم نور العقل كما يفهمه علماؤنا ويشرحونه .
أخي مجتبى العلم والمعرفة لها ينابيع ولها طرق
4
مجتبى آل عمير
[ القطيف-الخويلدية ]: 28 / 8 / 2014م - 6:58 ص
قد وافق الباحث اللبناني الشيخ حيدر حب الله على الفكرة الإجمالية لهذه المقالة ، وقد ذكر بعض الملاحظات والتنبيهات على هذه الفكرة ، تجدونها على الرابط http://hobbollah.com/questions/%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b7%d8%b9-%d8%a3%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b7%d9%85%d8%a6%d9%86%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%81%d8%aa%d9%88%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%ac%d8%b9/ .