آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 6:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

القطيف وتسميتها بـ «النجف الصغرى»

سلمان محمد العيد

تتكرر بين فترة وآخرى مقولة "النجف الصغرى" كأحد التسميات التي أطلقت في فترات تاريخية ماضية على القطيف، في إشارة إلى زيادة عدد رجال الدين في المنطقة قبل دخول القطيف إلى الحكم السعودي في دولته الثالثة.

وحتى هذه اللحظة – وحسب علمي – لا يعرف مصدر هذه المقولة، ومن أطلقها، فضلاً عن الظروف الاجتماعية والثقافية التي جعلت من القطيف تنال هذا اللقب، الذي في ظاهره تشبيه أو الحاق بـ"النجف الكبرى" وهي أبرز المدن العلمية لدى الشيعة الإمامية، إذ توضع الحوزة العلمية في صف واحد مع جامعة الأزهر في مصر وجامعة الزيتونة في تونس وغيرهما.

وأظن أن كثيرين من الشيعة – مثلي – لا يعرفون مصدر تلك التسمية، عدا أنهم جميعًا يرون فيها مدحًا وإشادة بمستوى الحركة العلمية – في الجانب الديني – بالمنطقة، كما أن الجميع – كما يبدو لي – لا يستطيعون تحديد بداية الحركة العلمية، ومن هم أبرز رموزها وروادها، عدا أنهم يوردون أسماء عديدة من رجال الدين ممن عاصروا تلك الفترة، وقد تلصق بهم صفات وكرامات لم تجر لهم ولم يشهدوها، وربما ظهرت لهم بعد وفاتهم، كأن يقول أحدهم عن واحد من العلماء السابقين بأن نعاله يتحرك له سمعًا وطاعة، أو أن أحدهم ذهب إلى الحاكم الإداري السعودي وهدد بأن سوف تهتز الأرض تحت قدميه إذا لم يوقف الإجراءات الطائفية، والحادثة لم تحدث بالطبع!

من هنا يفهم ان اعتزاز بعض ابناء المجتمع بهذه التسمية نابعة من عمق العلاقة بينهم وبين رجال الدين، وذلك جراء تقديرهم للدين نفسه، فالمجتمع متدين بطبعه، ووجود رجال دين في مجتمع متدين هي حالة طبيعية، ففي ذلك الزمن – وكما ينقل الآباء والأجداد – كان رجل الدين بمثابة الإمام المعصوم، يحظى بقداسة غريبة، لدرجة ان الناس يتبركون بفاضل ماء وضوئه أو ماء شربه، بل يتعمدون أن يجلبوا له الماء كي يقرأ عليه بعض الآيات والأدعية والأذكار، وهم بدورهم يتبركون بذلك، وإذا ما اقبل رجل الدين فإن استقباله – في العادة – لا يكون عاديًا، بل يتم تقبيل يديه وجبهته، وإذا ما دعي لمأدبة فإن الداعين يكرمون رجل الدين بصورة لائقة، وقد استمرت هذه الحالة حتى وقتنا الحاضر، وكان سلوك رجال الدين في الغالب باعثا على الاحترام والتقدير، كون رجل الدين بالضرورة هو رجل الاخلاق والتعامل الحسن وخدمة الناس وتقديرهم.

بالتالي فإن استمرار مقولة "النجف الصغرى" هي نتيجة لهذا الولاء وهذا الحب، فتجد الكثير من الناس، حتى ممن لم يعاصر تلك المرحلة، يتحدث بأسى على تراجع الحركة العلمية في المنطقة في بعض الاوقات، فمن المؤسف لدى هذا البعض أن تكون "النجف الصغرى" بعدد محدود وقليل من العلماء ورجال الدين. هذا قبل موجة الدراسة وما نتج عنها من زيادة عدد رجال الدين بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ولكن لم يتجرأ أحد – حتى الآن – بوصف القطيف بأنها "قم الصغرى"، او "مشهد الصغرى".

لقد وصفت القطيف بـ"النجف الصغرى"، رغم أن القطيف في فترات ما قبل النفط لم تكن منطقة خارج الحياة العامة، فهناك حياة اجتماعية ونشاط اقتصادي ربما كان مميزًا في مجالات الزراعة والصيد والحرف اليدوية والغوص، وصناعة الرماح الخطية، مع ذلك لم تتم تسمية القطيف بـ"بومباي الصغرى" أو "البحرين الصغرى" ما يؤكد حقيقة التدين لدى الأهالي، فالفخر هنا بالدين والعقيدة، والاتكاء على التاريخ العلمي في الجانب الفقهي، رغم وجود تاريخ اقتصادي واجتماعي.

على ضوء ذلك قد تعتبر صفة "النجف الصغرى" دلالة فخر لدى البعض، في حين يراها بعض اخر غير ذلك، بمعنى أن المجتمع إذا افتخر بتلك التسمية يترتب عليه مسؤولية النهوض واعادة تلك الأمجاد، من خلال دعم الحركة العلمية الدينية، من خلال بعث طلاب العلم إلى الحوزة العلمية، وانشاء المزيد من المدارس المتخصصة في هذا المجال، وهذا ما نراه في الوقت الحاضر، إذ أن هناك حالة نهوض على هذا الصعيد، وبدأت تظهر عدة مدارس دينية في المنطقة وهو ما لم يكن موجودًا مع بداية الحكم السعودي، وربما قبله ايضًا، وهذا التوجه بجد في وصف القطيف بـ"النجف الصغرى" وصفًا رائعًا وجميلاً، إذا ما نظر إلى هذا الجانب، لكنه ورغم ارتباطه بالنجف الكبرى في العراق، وقم المقدسة في إيران، لكنه لم يدر بخلد أي منهم أن يصف القطيف بأي صفة تلحقها بأي من المراكز العلمية الأخرى، مثل "قم الصغرى" كما سبق القول.
في الجانب الآخر هناك وجهة نظر اخرى ترى ان وصف القطيف بـ"النجف الصغرى" تسمية غير دقيقة وغير سليمة، وفي هذا المجال هناك توجهات، التوجه الأول يرفض التسمية ويشعر بوجود الحركة العلمية الدينية وضرورتها في النهوض والتقدم وحل مشاكل المجتمع، بينما التوجه الثاني ترفض التسمية بالكامل، ويراها دلالة تخلف، وهناك توجه ثالث يرى أن التسمية خاطئة ولم يكن لها وجود ألا من خيالات البعض، فالقطيف – حسب وجهة النظر هذه – لم تكن نجفا صغرى، ولم يكن لها حركة علمية دينية بالمعنى والصورة التي نشهدها الان.

وقد تتفق وجهات النظر الثلاث على نقطة واحدة وهي تسمية القطيف بـ"النجف الصغرى" سواء كانت أو جاءت لاحقًا هي تسمية إذا لم تكن صحيحة فهي غير سليمة ولا ينبغي أن يعاد الحديث حولها، لأنها تحمل في طياتها إساءة للقطيف ولأهل القطيف، ولعلمائها ورجال الدين القدماء قبل الحاليين.

فالقطيف – إذا كانت نجفا صغرى – في وقت كانت الأمم في تلك الفترة تتسابق من اجل النهوض العلمي والتكنولوجي، والدول تحث الخطى من أجل التوسعة والاستعمار وزيادة الرقعة، في مثل هذا الوقت نجد أن من يتركز نهوضه على الجانب الفقهي (فقط!) يعني انه يسير بعكس التيار، وليست هذه صفة القطيف وأهل القطيف، بالتالي فالصفة لا تعدو ان تكون "ملفقة" على القطيف، وإذا كانت موجودة فتدل بمالا يقبل الشك أن القطيف في واد غير الذي تسير عليه النجف الكبرى نفسها التي كانت في صراع دائم ضد الاستعمار والاستبداد.

إن مصطلح النجف الصغرى – كما يبدو – ظهر في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، أبان النهوض الأوروبي وبداية أفول الأمبراطورية العثمانية، وقبل مجي الحكم السعودي، حيث كانت القطيف تتمتع بحكم ذاتي مرتبط بالحكومة العثمانية. تلك الفترة كانت الامة في بداية تراجعها الحضاري والعلمي والسياسي، فظهور مصطلح وتسمية من هذا القبيل، وان تشهد منطقة حراكا ثقافيًا دينيًا وأدبيًا فهذا بحد ذاته يعد لافتًا للنظر، وربما كان باعتًا على التساؤل.

وقد تجاوز البعض هذا التحليل ليصل إلى القول أن القطيف طوال تاريخها كانت مسلوبة الانجاز، فحينما تميزت بجانب معين وهو الجانب العلمي الفقهي، تم تجيير هذا الانجاز إلى النجف الكبرى في العراق، بمعنى أن كل ما لدى القطيف من انجاز على هذا الصعيد هو من النجف، بالتالي لابد من التبعية إلى جهة خارجية. وحسب هؤلاء فإن الفكرة في وقت ما كانت للأشادة بالوضع القائم في القطيف، لكنها في الأجيال اللاحقة أريد تجريد القطيف من الفضل ونسب جزء من ذلك إلى النجف الاشرف في العراق، بالتالي فلا ميزة للقطيف من وصف "النجف الصغرى" سوى كونها امتدادًا لـ"النجف الكبرى"..

من صاغ هذه الفكرة؟ ومن روج لها بهذه الصيغة.. الله أعلم!