آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 4:01 ص  بتوقيت مكة المكرمة

فوبيا «التغريب»

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

أخذ مصطلح «التغريب» التيار الفكري الهادف لتدجين اختلافات الشعوب الثقافية والسياسية والاجتماعية والفنية تحت جناح الغرب بكل سماته، وتشبيعه بالأسلوب الغربي للحد الذي تتلاشى فيه ملامحه الفارقة، فيصبح جزءًا تابعاً للغازي الأم. أخذ هذا المصطلح بُعداً مخيفًا محولاً كل محاولة تطوير أو تصالح مع حركة العالم نحو حياة أكثر ذكاء ورفاهية وجمالاً إلى تهمة استعمارية وانتهاكية لخصوصية الشعوب، وامبريالية ماحقة لكل مفهوم ديني ثابت أو اجتماعي فريد.

في الحقيقة - ودون الانغماس في نظرية المؤامرة - شهد تاريخ الشرق عمليات تغريب ممنهجة ومتعمّدة، وبالتحديد ما حصل من عميات حقن متتالية للعقار الغربي في وريد الشرق العربي والإسلامي بشكلها الغازي الفج، أو بمناحيها المتخفية تحت أردية صديقة ومسالمة، إثر تداعيات أحداث بدء النهضة الأوروبية الحديثة على العالم والشرق العربي تحديداً التي هدفت لسلب الهوية العربية فرادتها وكينونتها ومن ثم تعميرها قبعة الغرب. لكن وككل المفاهيم التي تتضخّم أو تختلط بأخرى جراء بلبلة فكرية أو اجتماعية دافعها فوبيا فقدان التشكُّل للأنماط الثقافية والاجتماعية الثابتة، تحوّلت تهمة التغريب إلى دوامة رملية تقتلع في طريقها كل ما يُشتبه به على أنه «تغريب». هذا الفكر الممانع لأي حركة تطوير تهدف لمواكبة الحضارة الإنسانية يتزلف شرعيته من الفهم الخاطئ للدين، عن طريق تسطيح المبادئ الإسلامية، وتشميل المواقف النبوية الخصوصية بطريقة عشوائية دونما أدنى تدبر لمقاصد الشرع وأهدافه السامية. لذاك نتفاجأ إثر كل حركة تطويرية على مستوى اقتصادي أو تعليمي أو اجتماعي من يشهر عبارة «فعلاً لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه» إشارة للحديث الشريف. في محاولة لتجميد كل محاولة انسجام مع العالم أو تداخل ضروري في نسيج الحضارة أو تعاطف مع آلام العالم ومشكلاته. وفي الحقيقة لم تكن تعاليم الإسلام يوماً ما سبباً للتقهقر والجمود، إنما حركة الاجتهاد والقياس وحدها بقيادة روّادها، كانت من أهم ظواهر حركة الدين ومواكبته للتطور البشري في كل المجالات. لأنه لا مزايدة في الحفاظ على الخلفية الدينية والقيمية وهذا ما لا يقبل المقايضة مطلقاً. لكن الأمر تجاوز ذلك إلى موقف متشدّد نحو كل ما يأتينا من الغرب بكل ما يحمله هذا التشدّد من تناقض، ففي الوقت الذي تتزايد اعتماديته على ما يصدره العالم من مبتكرات في المجالات التقنية والعلمية والصناعية والإدارية وغيرها، يصطدم بقوة بجدران يصنعها لنفسه معتبراً إياها تغريباً!.

لنأخذ السينما من باب المثال وليس الحصر. في الوقت الذي ينظر العالم للسينما كمورد ثقافي وفكري واقتصادي وتنموي، ما تزال نظرة المجتمع لدينا مشوشة، فما بين قَلق ومتوجّس ومحايد وهاوٍ، تضيع فرص جمة يمكن لها أن تضع عوائد ذهبية في دخل الاقتصاد والحصائل الثقافية والاجتماعية وغيرها. على الصعيد الاقتصادي - مثلاً - حصدت نيوزيلندا عوائد سياحية ضخمة بعد إنتاج ثلاثية «سيد الخواتم»، فقد ساهمت السياحة بصورة مباشرة بأكثر من 7 مليارات دولار نيوزلندي وهذا ما يقارب 3.7% من الناتج المحلي. إضافة لذلك هناك 5% من العائد على الناتج المحلي تأتي بصورة غير مباشرة من قطاع السياحة. وهذا ما يضع السياحة في المركز الثاني لمصادر الدخل بعد الزراعة في عام 2013. فقد حظى الفيلم على اهتمام رسمي، وعُين وزيرٌ مهمته رعاية السياحة المتعلقة بالفيلم الذي استقطب السياح من حول العالم لتصويره في مناطق طبيعية مبهرة للأنظار ومحفزة لفضول عشاق الاستكشاف. كما ظهر مصطلح السياحة التوركينية نسبة إلى الروائي جون رونالد تولكين صاحب ثلاثية «سيد الخواتم» وثلاثية «الهوبت». كل شيء في الحياة يحمل بعدي النفع والضرر. وعلى هذا الأساس اتجهت نظرة العالم الحديث إلى الاستفادة من الموارد بأقل مخاطر ممكنة وأفضل تمثيل ممكن لها.

فيما يبقى البعض منعزلاً عن العالم بسبب فوبيا «التغريب»!