آخر تحديث: 29 / 9 / 2020م - 11:25 م  بتوقيت مكة المكرمة

طفل بلا هوية.. طفل بلا روح

غادة السيف *

كم هو مؤلم أن يعيش الطفل محرومًا من أبسط الحقوق في أن يكون له اسم، أو وثيقة مسجلة يستطيع من خلالها أن يتعلم ويتعالج وأن يعيش حياة كريمة. هل تذكرون قضية "مي"؟، الطفلة التي طعن والدها في أبوته لها رغم اعترافه بأنه أب لطفلين سابقين، وباتت بلا هوية هي وإخوانها، ذلك مثل واحد فقط على مأساة المئات إن لم نقل الآلاف من الأطفال الذين يجدون أنفسهم بلا هوية.

نشرت صحفنا المحلية العديد من القصص التي تحكي معاناة هؤلاء الاطفال الذين كثيراً ما يكونون ثمرة لزواج السعوديين من أجنبيات أو العكس بلا تصريح رسمي، أو بسبب الخلافات الزوجية فيرفض الأب تسجيل طفله، أو لأسباب صحية مرتبطة بالطفل كالإعاقة فيعمد الوالدان للتخلص من طفلهما، وغيرها من الأسباب.

إن كل ما تحتاجه هذه الشريحة من الأطفال هو إكمال حياتهم بسلام، ولن يحدث هذا إلا بامتلاكهم شهادة ميلاد تعطيهم هوية قانونية بموجبها يتمتعون بكافة الحقوق، ذلك لأن منحهم شهادة الميلاد هو ببساطة إقرار بحقهم في المواطنة.

لابدَّ من مراعاة مصلحة الطفل الفضلى والحفاظ على حقوقه بغض النظر عن أية اعتبارات تتعلق بظروف ولادته وكيفيتها. فقد نصَّت المادة السابعة من نظام الجنسية السعودية على ما يلي: «يكون سعودياً من ولد داخل المملكة العربية السعودية أو خارجها لأب سعودي أو لأم سعودية وأب مجهول الجنسية، أو لا جنسية له أو وُلِد داخل المملكة لأبوين مجهولين ويعتبر اللقيط في المملكة مولوداً فيها ما لم يثبت العكس». وبالتالي، فللطفل الحق في أن تُستخرج له شهادة تبليغ ولادة ويتمّ منحه اسماً رباعياً ويُدوَّن في الشهادة تاريخ ميلاده واسم الأم إن كانت معروفة، أو يوضع اسم وهمي للأم إن كانت مجهولة، ويتمُ استخراج شهادة تسجيل سعوديين وشهادة ميلاد وجواز سفر وبطاقة أحوال شخصية عند بلوغه سن 15 سنة.

يجب أن نعي أنَّ حرمان الطفل من أبسط حقوقه قد ينعكس على شخصيته ويجعله إنساناً سلبياً كارهاً وحاقداً على المجتمع الذي لم يعترف به، مما يدفعه للانتقام من المجتمع عبر الانحراف والتوجه نحو القيام بأنشطة إجرامية. الطفل المتخلى عنه قد ينتظره مصير غامض إذا لم يتم احتضانه وتربيته بطريقة سليمة وتوفير الحماية والرعاية له، في المقابل فإن تجنُّب تعرضه لمخاطر الحياة، وحصوله على شهادة ميلاد تكفل له حقوقه وتساعده على الاندماج في المجتمع كعنصر فاعل.

إن المملكة مطالبة اليوم بالوفاء بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الطفل، فقد التزمت الدولة بالمادة السابعة من اتفاقية حقوق الطفل حينما صادقت عليها عام 1995م وهي التي تنصّ على أنَّ «يسجل الطفل بعد ولادته فوراً ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقى رعايتهما». ولا يفوتني هنا أن أحيي الجهود المبذولة لانهاء معاناة هؤلاء الأطفال كالحملة الحقوقية التي أطلقتها هيئة حقوق الإنسان في فبراير عام 2010م والتي أسهمت في علاج أكثر من 100 حالة، معظمهم من الأبناء ممن هم ضحايا للخلافات الزوجية بين والديهم. نحن بحاجة لتكرار مثل هذه الحملات، فالطفل بلا هوية يعني طفلا بلا روح!

متخصصة في حقوق الطفل
المدير التنفيذي لمركز وعي للاستشارات التربوية والتعليمية