آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 7:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

أما من ذاب من السْرقة القتلة في القطيف

لا يخفى على أحد؛ حال محافظة القطيف المأزوم، من تفشي جرائم عديدة وفادحة من ضمنها السرقة بأنواعها وفنونها وممارسة القتل أحياناً بدم بارد، لم يكتفوا هؤلاء بسرقة المحلات التجارية والمخابز والصيدليات، والمرافق الحكومية؛ بل تعدوها لسرقة البيوت، وترويع ساكنيها وأخذ كل ما هو غالي ونفيس، وترك المنزل خاويا على عروشه، مخرب، محطم، ومهشم، ولا يحصد رب البيت من تبليغ الشرطة غير غبار البودرة لأخذ البصمات، التي لم يفلح أحد في فك شفرتها، ولم أسمع عن منتصر من المجني عليهم من مئات البيوت المسروقة من السرقة وغنائمهم!.

كما تعدت جرأة وفنون السْرقة إلى حد الدخول للمنزل حتى وهو عامر بساكنيه ومباغتتهم وتهديدهم بالسلاح وغيره؛ غير مكترثين ولا عابئين بفزع الأطفال وصراخهم، وهتك عورات النساء في وضح النهار، وسلبهم ما يملكون من مال ومجوهرات ومقتنيات ثمينة، فيا لها من كارثة أخلاقية فاقت الكوارث الطبيعية، مما أصاب الكثيرات من النساء والأطفال بحالات نفسية وقلق ومجافاة النوم عيونهن، مما أضطر البعض منهن لأخذ الحبوب المهدئة.

ذات مساء وأثناء إقامتنا لإحدى اللقاءات الاجتماعية، دار النقاش حول الظواهر السلبية بالمجتمع؛ ماهيتها وأسبابها وأنواعها والسبل المقترحة والناجعة لعلاجها أو الحد من تفاقمها؟.

الطريف هنا.. أن يتحول اللقاء إلى مسرح من مسارح الضحك من خلال طرح مواقف حقيقة لبعض المتعرضات للسرقة، والحقيقة ما اسرده هنا من مواقفهم ما هو إلا ما يسمى بالمضحك المبكي؛ على ما آل إليه حالنا المصبوغ بالسواد.

سيدة خفيفة الظل، يبدو أنها تحمل صفة الشجاعة أيضا والجرأة، باغتها السارق وهي تغسل أواني المطبخ، ولمحته دون علمه من خلال نافذة المطبخ العاكسة، فجمعت كل شجاعتها وتصرفت بذكاء وحكمة، عندما أعطته المجال أن يقترب منها قليلا وقامت بعصر قنينة الصابون السائل في كلتا عينيه، حتى فقد القدرة على الهرب وجال في المنزل يمنة ويسرى، فقامت هي بدفعه داخل إحدى الغرف واستدعت زوجها. الطريف هنا أثناء سحبه للشرطة طالب بحذائه ـ أعزكم الله ـ الذي كان بشرفة المنزل الذي دخل من خلالها إليه بطريقته الإجرامية الخاصة.

سارق آخر قُبض متلبساً بجريمته، كان شاباً مهندماً، يلبس أغلى الماركات العالمية، أخذ صاحب البيت يكيله ضرباً ولكماً وركلاً، ويرمي به على الأرض، فاجئه السارق بقوله: أرجوك لا ترميني على الأرض «ملابسي اتسخت» فلم يتمالكوا الحاضرين أنفسهم من الضحك ل هكذا نوع من البشر، لم يناله من الركل والضرب والإهانات والسجن إلا خوفه على ملابسه الثمينة من الاتساخ، ولم يعلم أن اتساخ روحه أعظم قذارة من ملابسه.

سيدة أخرى تقول، كنت نائمة أنا وأطفالي وزوجي يعمل في منطقة بعيدة كل أسبوعين، وكانت معي خادمتي في الدور الأول، فاجئها السارق وهي على فراشها بوخزها بمقدمة بندقيته، يقضها من النوم بهدوء، ويأمرها بإرشاده إلى المجوهرات والأدوات الثمينة حتى لا يزعج الأطفال، ويخرب الأثاث والمفروشات «سارق جنتل»، وكان له ما أراد تحت تهديد السلاح.

أخرى تقول كانت عندي معازيم على الفطور، وكنت قد جهزت معظم الأطباق للضيوف من الليل، ولم يتبقى لدي غير الأمور التي لا بد أن تحضر وقت الإفطار كإعداد الشاي والقهوة وخلافه، ونمت تلك الليلة نوماً عميقاً من شدة التعب، وعندما صحوت الصباح لاحظت أن سارقاً هجم على المنزل وسرق المتاع والأدوات الكهربائية وأجهزة الهاتف والكمبيوترات ولم ينسى أن يتمتع ورفاقه بما لذ وطاب من الفطور المحضر للضيوف، فلم يبقوا لهم من باقية.

جرائم وسرقات لا حصر لها ولا عد، في كل حين نسمع عن سرقة هنا وسرقة هناك، نهاراً جهاراً، وبكل طمائنينة، ورباطة جأش، ودون خوف، بل السرقة والقتل بدمٍ بارد، أليس أمراً خطيراً، ونائبة عظمى، تستدعي الوقوف أمامها، ودراستها ومعرفة دوافعها، وسبل معالجتها؟!

لقد تفاقم الوضع تفاقماً مخيفاً مزلزلا، ووضع الكثير من أدوات الاستفهام والتعجب لتهالك حالة الأمن وقبضتها الحديدية المزعومة؛! وتُرك المفسدون في الأرض يعيثون في الأرض الفساد، دون أي تحرك أو معالجة ملموسة من الجهات المعنية لقمع هذه التجاوزات المتكررة في اليوم الواحد في قلب المدن والقرى وأمام مرأى المارة ومسمعهم غير عابئين بترويع الناس وإشهار السلاح في وجوههم وقتلهم أحياناً.

من المثير للدهشة والاستغراب، أن منطقة القطيف ومنذ شهور، يحيط بها طوق أمني ضخم منقطع النظير، وتفتيش شخصي صارم في المنافذ والمخارج، ويحصل فيها ما يحصل من سرقات في وضح النهار؟! أنه لأمر في غاية الغرابة.

أتساءل هنا، هل أداء مراكز الشرطة الجنائية في القطيف مرضياً، ومستوفياً لمعايير وأنظمة الأمن السعودي في اللوائح النظامية، أم أنها مؤسسة هرمة منزوعة الهيبة والفاعلية، أم غزاها الفساد الإداري كندياتها من الدوائر الأخرى، ليتجاسر السّرقة بأسلحتهم ودرجاتهم النارية في وضح النهار وأمام الملأ، أن يحققوا النجاح الباهر في أغلب عملياتهم القذرة وهم في حلٍ من بيعة الشرطة في المنطقة؟! أليس من أمن العقوبة أساء الأدب؟.

نداء لأهالي القطيف الغيارى، بجميع نخبها ومواطنيها، نسائها ورجالها، بالتصدي لهذه الظاهرة، والمناداة بالمسارعة بالنظر للحلول الناجعة، ومطالبة السلطات بتكثيف جهودها، وبمسائلة ومحاسبة أسباب فشل مقاومة هؤلاء، وردعهم وإيقاف مخططاتهم الغير شرعية.

كما أهيب بالمتخصصين والباحثين بدراسة الظاهرة وأخذها بعين الجد والمثابرة وجعلها قيد الدراسة والبحث، لمعالجتها والقضاء عليها، فقد ضاقت الناس درعاً وخوفاً وفزعاً من هول ما ألم بها جراء تفشي هذه الظاهرة، وتركها دون معالجة جادة وسريعة ومجدية، مما يجعل الوضع القائم خطيراً جداً وحرجاً وغير مستقراً، حمى الله بلادنا الغالية من كل مغرض مريد للفساد والإفساد.