آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 11:22 ص

والخير أيضاً يَعمُّ

رباب اسماعيل * صحيفة الشرق

إنَّ الأثر الذي ترسمه الأحكام في الذهنية المجتمعية العامة، يترك انطباعاته في السلوك الثقافي بشكلٍ عام. حيث الأفكار أشد صلابة من القوانين، والجوانب المعنوية المجَرَّدَة لأي مجتمع، غالباً ما تكون عصية على التغيير مقارنة بالجوانب المادية المحسوسة. وعادةً ما تكون هذهِ المساحة الفاصلة بين المادي والمعنوي، منبعاً للتناقضات، إلا أنها أخف وطأة، وأقل ابتعاداً في حضور الوعي والعقلانية.

ذلك ما يجعل جاذبية الهابيتوس «الفضاء الذهني لأفكارنا وأحكامنا واستعداداتنا كافّة، مُدرَكة أم غير مُدرَكَة. مما يُشَكِّل بنية معرفيّة ذاتيّة، تلعب دوراً منظِّماً لحياة الإنسان. وهو يميل لمُجاراة ما هو مُخزَّن في الحسّ السليم العام، المنتشر حولنا، الذي يشكِّل عقلانية المجتمع. ويأتي نِتاج للتاريخ - بيار بورديو» لدينا جاذبية هدم، لا بناء.. جاذبية عاطفة دون عقل، جاذبية لا تستطيع سوى أن تلتقط بتفاحات نيئة أو يابسة… تفاحات غير قابلة للأكل!

وهذهِ إحدى المفارقات الثقافية لدينا كمسلمين، فالله تعالى يُضاعف الحسنة، ونحن نَختزلها ونُخصِّصها في إطارها الضيق.

ولأننا اعتدنا النواح والتذمر.. صارت أخبار السوء تعنينا أكثر، فهي الأكثر جاذبية.

ما زالت عربة مفاهيم، وأمثال مهترئة تجرنا نحو السقوط أكثر في ثقافة العجز.. منها هذه الفكرة الصدئة «الخير يخص والشر يعم».. قد يعم الشَّر في حالاته الضيقة.. كما في السلوك الشَّاذ، أو غير المسؤول؛ لكن الخير أيضاً يعمّ كما في كل فعل خير، وإنجاز حسن، وسعادة حال، وصلاح أحوال.

مازالت خشخشة الصدأ المهترء في ذاكرتي لهذه الأمثال والمفاهيم.. غير قابلة للهضم..

كيف للخير أن يخص وهذا يرتقي في سلم أحلامه.. يشع نوراً.. ويفوح عطراً؟!

كيف للخير أن يخص وتلك الطفلة تخط بيدٍ ملائكية هذا التفوق؟! تشمخ كما نخيل بلادها على خارطة الدنيا!

لو حوَّلنا كل التعساء حولنا من خانة التعاسة لخانة السعادة.. ألن يعمّنا الخير.. ألن تُضاء هذه الكِسف حولنا.. ألن نعاشر السعداء فنسعد؟!

أم هي الدائرة تلك التي نحبس ذواتنا فيها.. فلا انتماء لنا خارج جماعتنا الأولى من أهل وأصدقاء؟!

لذلك فالنجاح والفشل ثقافةٌ شخصية، وتربية مجتمعيّة مع الذات والآخر.

الشرُّ يعمُّ هو أن نأخذ الكل بخطيئة البعض والمبدأ القرآني يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وهو يعني أن لا عمل جماعياً، وهو يعني الضغائن والحسد، والعجز.

فهل من وعي قادر على مُساءلة منظومتنا المفاهيمية.. تلك التي تتحول بمرور الوقت إلى مُسَلَّمات؟!

شاعرة وكاتبة من العوامية