آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 1:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنسانية في شخصية الحاج خليفة هزاع

فقد الأحبة يؤلم القلب، وحين يكون الفقيد نموذجاً فريداً من نوعه في إنسانيته وعطفه وحنانه، فإن ألم فقده يكون أعمق. هكذا هو ألم فقدنا لرجل الإنسانية الحاج خليفة ناصر هزاع «رحمه الله». فإنسانيته لم تقف عند حدود أسرته وحسب، وإنما تجاوزها ليكون أباً رحيماً عطوفاً على الجميع.

وإننا إذ نودع هذا الرجل المعطاء إلى مثواه الأخير ليس لنا إلا أن نصبر ونرضى بقضاء الله سبحانه وقدره، ونتمثل قوله عزّ وجل: ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

ماذا نعني بالإنسانية

الإنسانية نعني بها: أن يفيض المرء بمشاعر الحب والعطف والحنان والمودة والرحمة والسلام والعطاء، هادفاً من ذلك عكس الروح التي يحملها بين جنباته، وتمثيلها كواقع ملموس على الأرض، ليتمتع بها الجميع دون تفريق أو تمييز.

ونحن إذ نعيش في رحاب ذكرى الرسول الأعظم ﷺ الذي جسّد الإنسانية العالمية، إذ كان كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، فإننا نجد من المؤمنين من تمثّل هذه القيمة العيا، وجسّدها في واقعه وحياته. وفقيدنا الراحل نموذجاً واضحاً على هذا الصعيد.

دوافع الإنسانية في حياة الفرد

حين نرى أشخاصاً تتجلى في حياتهم القيم الإنسانية، فليس معنى ذلك أنهم ينطلقون من منطلقاتٍ واحدة، فإنه لكل إنسانٍ دوافعه الذاتية تدفعه تجاه التعاطي الإنساني مع الآخرين، بوعيٍ منه أو بدون وعي. وهنا أقف عند خمسة دوافع للتعامل الإنساني في حياة الفرد:

الأول: الفطرة السليمة تدفع المرء للتعامل الإنساني مع أولاده وأحفاده، فهو إنما يُمارس ذلك بدافع أبوي.

الثاني: قد يتعامل البعض بإنسانية بدافع إبراز نقاط القوة في ذاته، ولتحقيق التميّز بين أقرانه، فهو يمتلك قيماً إنسانية عُليا، فيُبرزها ليكون متميّزاً بذاته، ومتفوّقاً على أقرانه.

الثالث: الواقع الاجتماعي قد يدفع المرء باتّجاه التعاطي الإنساني، وكلما كانت موقعية الفرد الاجتماعية أعلى، فإن تعاطيه الإنساني يكون أكبر، وذلك حفاظاً على الموقعية الاجتماعية، وارتقاءً بالمكانة التي يحظى بها بين المجتمع.

الرابع: حين تكون هناك مصالح مادية مشتركة بين الأفراد، فإنه تظهر المعالم الإنسانية في تعاملهم مع بعضهم البعض، حفاظاً على المصالح المشتركة بينهم.

الخامس: يرتقي المرء بفطرته ووعيه، ليُحقق القيم الإنسانية في واقعه وحياته في صورتها المشرقة، لإيمانه بأن الآخر، الإنسان، ينبغي التعامل معه بإنسانية، وأن الذي كرّمه الله تعالى يجب تكريمه. فتجده يتفانى في خدمة الآخرين، ويُقدّم لهم كلّ ما بوسعه بروحٍ نقيةٍ طاهرةٍ تتسامى على كل الدوافع الذاتية.

تجليات الإنسانية في حياة الفقيد الراحل

حين تتصفح حياة الفقيد الغالي العامة تجدها نبعاً من الحنان والعطف والحب والسلام. ولم يكن «رحمه الله» يمارس ذلك بدافعٍ أبويٍّ فحسب، لأن إنسانيته شملت الجميع، ولم تكن لإبراز تميّزه على أقرانه فكثيراً ما كان يُمارس ذلك سرّاً، ولا لاعتبارات اجتماعية، كما أن إنسانيّته لم تكن بدافع تحقيق مصالح شخصية.

إن إنسانية الفقيد الراحل كانت فوق كل تلك الاعتبارات والدوافع، فهو كان إنسانياً لأن الإنسانية كانت سجيةً في شخصه وشخصيته، وطبيعةً في تعامله، وجوهريةً في خُلُقه وروحه. ومثله في الحياة قليل. فلا حرج إذن أن يبكيه الصغير والكبير، وأن يزدحم المؤمنون في تشيع جنازته في موكبٍ مهيبٍ يعكس حبَّ مجتمعه وأهله وذويه له، وأنَّ فقده كان مفجعاً لهم جميعاً.

رحمك الله يا أبا محمد وأسكنك الفسيح من جنانه وحشرك مع محمد وآله الطاهرين في مستقر رحمته.