آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 7:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

مستويات الدلالة في البنية الشعرية لقصائد الدميني

قصيدة «صورة جانبية» أنموذجا

فؤاد نصرالله

في إطار القراءات الممكنة لمجمل أعمال الشاعر علي الدميني يمكننا العثور على عدد من المحددات الفكرية، والخصائص الجمالية المفتوحة على حقول لا نهائية من التأويلات تليق بكاتب من هذا الطراز الرفيع الذي يتداخل فيه مزاج الفنان مع انضباط الموسيقي ورهافة التشكيلي في آصرة واحدة لا تنفصم.

لاشك أن خطاب الشاعر لا يصل إلينا سافرا بل يتهادى على غيمات آسرة من عاشق للأرض، ومعتز بالتراث، ومشغول بالتحديث مع امتداد جذوره لتصل إلى القرية الجنوبية الفريدة التي أنجبته، ووضعته بقوة في طليعة كتيبة المخلصين المجيدين لفنون الكتابة.

لا يقمع الشاعر خطابه الفكري أو يجمله بحلية لفظية بقدر ما يتوجه لإحياء جماليات فنية مشغولة برهافة البناء الهيكلي لقصيدة تشتغل على اليومي، والهامشي، والعابر، فيما تتجاوز الرصدي لتتسلل لمناطق خبيئة في نص يحمل أمشاجا نصية سامقة، يؤبه بها للذاكرة الثقافية للأمة في لحظات سطوعها المضيء.

يبدو علي الدميني مشغولا إنشغالا حقيقيا بفكرة الوطن العصي على الحضور ثم هو في بعد تال الحاضر بقوة في تضاعيف النص المعاصر حتى لتخاله أقرب إليه من حبل الوريد، لكنه ومع تأمل العلاقات النصية يبدو مراوغا ومتماهيا مع المرجعيات التاريخية للجماعة في حضورها المثير.

أليس هذا ما توحي به قصيدة أعدها من أجمل ما كتب الدميني، صاحب التجربة الشعرية الناضجة والرائدة والمقتحمة؟ هذا ما نوشك أن نقاربه في نصه الموسوم ب" صورة جانبية " حيث يبدأ الشاعر قصيدته بصدمة مفاجئة للقاريء، فهو يبتعد تماما عن الصورة النمطية لمن تعود الاستهلال المتوقع الظهور في " عين العدسة " بشكل يحتل البؤرة تماما، فنحن أمام هاجس الانكشاف تحت شمس تعري الأبدان وفي ذات الوقت فالشاعر يتخذ نفسه مرآة لقومه جميعا دون أن يكون نائبا عنهم.

فالظمأ يواجهنا منذ أول سطر شعري، ليتعانق مع الدم الذي هو أغلى ما يمتلك الإنسان ليكون التشكل الفني قادرا على بسط الوقائع بكل وجعها وجسارتها:

ظمأي دمي
وحجارةُ الوادي لساني
وأرى على زبد المغيب
هواءَ فاتنة يرنّ على حواف الكأسِ
منكسراً فتذهب كالوداعِ لشأنها
وأنا لشاني.

هو الحضور الذي لا يعرف غياب، وهو الغياب الذي لا يعترف بالتلاشي؛ إذ أن النص يردنا لطفولة الفتى في واديه حيث بكارة الصورة وبراءة الولادة. ربما ليست الولادة الطبيعية للأنثى، فثمة هواء يأتي من ناحية تعج بالرؤى ويمكن أن نرى المرأة في فتنة التشكل وهي تقترب ثم تبتعد وما تلبث أن تحتل متن القصيدة بكل ألقها وتمنعها وشفافيتها. ينبش الشاعر عن مشاعره الأولى بكل عذوبتها، ولا يستسلم لما يوحيه معنى المراوغة، وانكسار القامة في لحظة وداع قاسية.

هذا تأويل قد يبدو متعسفا لمدخل القصيدة لكننا يمكن أن ننقض بعض جوانب المشهد الذي بدأنا في الكشف عن حواشيه حين ننظر للصورة الجانبية فإذا بها ليست صورة موديل، ولا قوام أمرأة ولا ملامح فاتنة ولا سراب بلاد النشأة. إنها لحظة مراوغة لا يمكن أن تحصرها اللغة أو يكتنزها المعنى ومن هنا تكون صورة الدميني ما زالت في طور التشكل والتقولب أو هي بالأصح عصية عن كل تحديد ماضوي.

لا يكفي أن نقول أن الشاعر يستعد لطرح أسراره أو الإعلان عن مواجعه أو البوح عن تلك المسافة التي تبتعد به عن البلاد التي يعشقها، فلا تبادله العشق. هذا سر الوحدة التي يحس بها الشاعر، صحيح أنها تقلقه كثيرا لكنه لا يتوقف عندها كلحظة فارقة لأنه يعلم أن نزع الحجب عن الصورة ربما يكشف عن اقتراب مثير أو اندماج حقيقي بدون لعب في النسب أو تقريب للمسافة. هذا هو فضاء النص الذي يتوفر عليه الشاعر محاولا أن يتجاوز محنة العزلة فتكون البداية مع الوداع مع أنه لم يبدأ رحلته بعد. ولابد من القول أن خطة الدميني الشعرية تتضمن نقضا للقصيدة التقليدية فهو لا يستسلم أبدا للسيمترية الشعرية وتراتب الحقول الجمالية أو هارموني الإيقاع كوحدات نصية صغرى بل هو مقتحم للحقول جميعا كي يثير شغبا جماليا، فيه رقة العاشق وعذوبة صفاء النفس المتعالية عن الصغائر وعنفوان الرفض المقيم للراسخ والناجز والقار. بطريقة تبتعد عن التنميط وتجترح أفقا جماليا مغايرا. يقترب الشاعر من تخومه القروية ويتسلح بما تحمله من بكارة وقوة مخيلة، وبالطبع تكون الوحدة بتوتراتها مدخلا للبحث عمن يؤنس النفس وتقر به العين الناظرة:

وحدي بلا أرقٍ يؤانسني،
بدون يدٍ تدلّ فمي على الذكرى
وتسأل عن مكاني.

هنا تبرز الذكرى للعيان، ويكون المكان محطة للتذكر، بحثا عن أمان مفارق، والوحدة تعلن عن موقف ضعف لا شك في ذلك غير أن الشاعر بسؤاله عن المكان يتقدم خطوة في طريق تحديد المشوارالصعب والرحلة المرهقة. إنه بذلك يرفض الموجود ويتمرد على الكائن ويفك شفرة الزمن حيث يخبيء ما يمتلك من كنوز.

هو في موقف السؤال عن المكان وتحديد الزمن، لكي تكون إحداثياته " الزماكانية " صحيحة. شيء واحد ينفر من التحديد والقولبة هو خيال الشاعر ومجاز القصيدة، فهو يعصف بكل الأطر القديمة بحثا أو وصولا لآفاق لا تعترف بالتقولب ولا تستغرق في التفصيلات الصغيرة التي تحيل حياتنا إلى شراذم جد صغيرة من الرؤى المتقطعة:

ماذا أخبئ في دنان الوقت من أطيافها الأولى،
وماذا أستعيرُ لها من الأوصاف
إن عزّ المجازُ
وبلّل النسيانُ مرقدَها،
وهرولتِ المعاني؟

تلك الأنثى التي يعرف علي الدميني أنها عزيزة على الحضور وتتأبى عن التقولب، تعلن عن جوهر لا يمس وملامح لا تمحى. لذا كانت الصورة الجانبية ملائمة تماما لرؤيتها من الزاوية التي يكشف فيها الضوء عن حقيقتها بل مفاتنها. مهمة الشاعر في تلك المسافة بين ذاكرته وبين حضورها العلني مراوغة ودالة على المأزق الذي يقع فيه العشاق دائما.

حين يصبح المجاز قاصرا عن تشكيل الصورة وكشف المعنى يتداخل النسيان مع إثم الغياب فيضطر الشاعر للقيام بمغامرة أخرى تتضمن الكشف والمعرفة مع وشائج من رؤيا تتجسد ثم ما تلبث أن تتبدد.

الصحراء واسعة، فيها معرفة من نوع ما، وقيم تتولد عبر حضارات تناوش المكان، يظل السؤال عالقا في الذهن عن الصفاء الذي يمنحه الاتساع، وعن الضيق الذي يستبد بالنفس في أوقات هزائمها المريرة. الصحراء توميء إلى جاهلية من نوع ما، والوادي ينعتق من جدب المناطق المثقلة برمالها الملتهبة الساخنة. ماذا يكون شكل المرأة في تلك اللحظة التي تنكشف فيها المواجع ويكثر البوح؟

يلجأ الشاعر للأحلام فتنتشله من محدودية المكان لآفاق لا نهائية من صور وأطياف ولمحات لا آفاق منتهية لها، أما صورتها فلا تهتز وإنما تغمض لثوان قبل أن تدفع بغموضها المثير ليكون الخيال هو مسرى الكلمات في حال تشكلها إيقاعا وألفاظا وأسلوبا:

ظمأي دمي
وخيالُ مسراها لساني
لكأنما تتنزّل الأحلامُ عاريةً كصورتها،
وغامضةً كنصّ كتابة في الماءِ،
عنواناً يقود إلى فراغ العمرِ
أو "ذهبِ" الأماني،

هذا النوع من الغموض يفيض بالنبؤة، فإذا تلك الأنثى تتنزل بصور جديدة وتكتب نصها في الماء، وهنا لمحة من تنضيد قصيدة محمد العلي " لا ماء إلا الماء " بل رؤية لما كتبه الراحل عبدالعزيز مشري في وحدته حيث "موت على الماء ". إنه إرث يتزحزح قليلا عن موضعه ويتشكل في رحم الثقافة الواحدة واللغة المتجزرة في وجدان جيل الأحلام المجهضة التي ما زال كتابها يرنون لطاقة نور ممكنة.

هي الكتابة التي تتحول مع الخبرة والزمن والمعاناة إلى عنوان يقود إلى بياض، حيث فراغ العمر يصل إلى محطة تنضو الأمنيات عنها، وللمعان الذهب خدعة للذات وصدمة للعقول التي ألفت مرأى الرمال، لا غير.

إن الانثى التي يستحضرها الشاعر لا تصبح فقط هي القصيدة بل تترفع لتصبح هي اللغة التي كتب بمدادها الأحرف والألفاظ والعبارات المتماسكة. منطقة شك في صدر الشاعر الذي يسميها أنثى كي يحددها فتتحول إلى مدينة وتتقوس كوطن ثم ما تلبث أن تعاود تأبيها ونكوصها عن الظهور الأكيد:

أسميتُها أنثى فقام "أزيزُها"
من عتمة الأغصانِ،
يلمع مثلَ شكّي في وجود الشيء
أو ذكراهُ،
أذكر يوم قادتني لغرب النهرِ،
كان بريقها عيني
وكان رصاصُها دَيْني،

مثل هذه التحققات التي تنتصب في مقام الوصف ترتقي إلى درجة التحدد التام، فهي أنثى لها ملامحها، وسماتها، وشكلها بعيدا عن الإبهام والغموض. ولذا كان الشك يبدو كلمع خاطف غير قار أو بائن، وهو يتذكرها تقوده لغروب النهر، فهي وإن غربته إلا أنها أطفأت ظمأه الذي بدأ به القصيدة. فقد تحولت إلى البريق في عينه المبصرة، ورصاصة تدوي في السكون ليحدث التحور، وهو تعيين يتأكد كلما تزلزل القلب من وقع الخطوات التراجيدية في عالم يحن إلى تجسيد المثال:

وحين سكنتُ في النسيانِ
ضاع طريقها مني، وغرّبني زماني.
ظمأي أنا وحصانُ هودجها حصاني

ضياع الطريق لم يكن بإرادة الفارس فهنا تلاعب في الحكاية التي فطن إليها الدميني وهو يمضي في طريقه لاغتراب أبدي يقوده الزمن الخطأ والمكان المراوغ. هاهي القصيدة تتحول إلى مدونة في مفصل تاريخي مبثوثة لغته في ثنايا الكأس الذي يرتوي بمائه فإذا الظمأ يتباعد قليلا. وهي لحظة صفاء نادرة في سفر الرحلة، لذا كان إخراجها من التابوت اقترابا من المقدس، عبر زلزلة القلب واهتزاز اليقين:

ها إنني أصفو،
فأخرجُها من التابوت،
أنحت نبضَها جرساً من الساعاتِ
نعناعاً و"مَنّا"

يغترف من التراث الديني رؤى ولغة ومفردات. ويميل كي ينحت نبضا من جرسها ويفوح نعناع القرى الجنوبية، ويتساقط " المن " من آيات منسوجة ببراعة في مخيلته الرائقة. علي الدميني يوقف سلسلة التداعيات بالوقوف هنيهة أمام تموجات مقصدها الأرتياب حين تصفو فيها النفس التي بدت شاردة. هي الآن مهيئة للقبض على ياقوتة الشعر في صفائها النادر. الهوى قاتل، والجرح لا يلتئم، هذا ما تظهره الصورة عبر رتوش أخيرة يضربها الفنان بفرشاته على لوحة قماش مشدود بقوة، لها سمت تاريخي مؤثر.

في لحظات الأرق الموجع يرتعش الفؤاد فيدعوها إلى نفس المنضدة العتيقة التي جمع ماضيه وحلمها المرتقب. يتبدل الموقف كليا، وتبرز شبكة من دلالات تضبط الإيقاع وتربط أسباب القول الشعري بنتائج السقوط للحظات قبل الانتفاض في إباء عودة للمناوشة. مع المحيط الطبيعي والتاريخي للذات في تعيينها المأزوم نتأكد من هوية الوجع العربي فهو ينبسط ليشمل الخريطة من الخليج إلى المحيط. وهنا تنضبط زوايا التقاط الصورة الجانبية في زمن يتخطى الموت ويتوجه بكليته لاكتشاف الذات المتعبة التي لم ترفع بعد راية الاستسلام، ولا هي استسلمت لعلامات التدني، وقد كان كل شيء ممكنا. ليست فروسية من الفتي القروي أن يتجاوز المحنة بترتيل الشعر واقفا بصلابة على قدميه، مع ما يمكن أن يشير إليه الموقف من قوة إرادة ونبل لا يمكن تناسيه أو إسقاطه. القتل غير ممكن لكنه يلوح في الأفق كراية لا تطويها العواصف ولا تحط بها القلوب الواجفة:

وأقول يقتلني هواكِ وأنتِ منّا
ولسوف أدعوها إلى وجعي
لنشربَ،
أو لنلعبَ،
أو لنكتبَ،
ما تَقدّم من رفاتِ زماننا العربيِّ
أو ما قد تأخّر من علامات التداني.

لا ترسم القصيدة تقاطيع جغرافية، ولا تشير إلى نقاط تاريخية تومض بالوقائع المسجلة، لكنها تتبع نسقا تخييليا ورموزا شعائرية هي بالتأكيد نتاج الوعي ولا شيء أكثر فطنة منه. حدقة العين وبؤبؤها تنطبع عليها الصورة فإذا هي توحي بالحقيقة كاملة ومكتملة الملامح. الوجه الأليف، واللذعة الأولى تتندى بألفاظ تسقط المسافات وتقرب المعاني المؤجلة والاحلام المتجذرة في القلب الخجول. إنه الظمأ في أوقات تحوله مطرا أو ريا، يحاول اللسان أن يقول شيئا مخيفا، بلا منطوقات متعارف عليها. هي إذن لغة ناقصة كأنها الظمأ:

ظمأي فمي
وعلى سواد العين صورتُها،
أليفٌ وجهُها كفمٍ مسَسْتُ،
كلذعةٍ أُولى على طرف اللسانِ.

لحظات تأزم شديدة، يمكن معها أن تتوقف الحياة وتكاد تبطل أفعالها أو تعجز حركتها، وهنا تكون النجوى، ويأتي النداء ليخترق طبقات الصمت حيث الشاعر يبدأ في استعادة رسمه القديم للصورة وقد أوشكت على التحدد، هو نهر وحيد يبدد الظمأ. إنه في نفس الوقت نهر قد أبصر طائرها يحلق في الأعالي يرف فوق الجسر. يتوجس الشاعر أن تكون اللوحة قد افتقدت هذا الحضور فلكل طائر جناحان يرفان. هل رف جناحاها وانعكس على صفحة النهر؟

إنها أسئلة مؤجلة تعكس مقدار القلق وكأن الهيكل الصغير الضئيل تحركه قوى غيبية بعيدة لها مرجعيتها الميتافيزيقية. فلو أنه أراه صورة عنها لكن اقترب من إفشاء المعنى؟ هو وسواس يعشش في صدره، ويتحول إلى موقف قلقلة مؤرقة أو عنعنة لا تغتفر:

يا أيها النهرُ الوحيد
أكنتَ تعرفها لَوَ أن جناحَها
قد رفّ فوق الجسرِ،
لو أني أريتُكَ صورةً عنها،

قد تعني الأسئلة لحظات من الانكسار تمضي لتؤرق الوجدان، وهنا تتصاعد خفة الأشياء غير محتمل خفتها ـ حسب تعبير الروائي ميلان كونديرا ـ فمثل هذه الأشياء تعلو عن غبار الوقت المموه بذاكرة واهنة. الصورة الجانبية تسترق النظر لمستويات من الرؤى غير مألوفة. لذا تبدو الخفة هنا محتملة، فهي تفيض بالعذوبة حيث خربشة الصغار، وبراءة الكائنات، والرسم الشفيف لملامح عذبة نحيلة تسمو عن الأشياء ثقيلة الوطء. إن القروي الجنوبي يشعر بالألفة مع الأشياء الممعنة في بساطتها كعناصر الطبيعة حين يعلوها غبار خفيف. ويقدم على الدميني على الحفر وجلب الماء من بئر الذاكرة. تلك الشغوفة بالتفصيلات الدقيقة مثل قبلات الصبا الأول وارتعاشة الصوت الناحل فتبدو مثل المطر الخفيف الذي يسقط على مرتفعات لعلها جبال تهامة. إنها عودة للأسرار الأولى للحياة قبل تعقيدها وتشابك عناصرها وشحوب قسماتها. التذكر هنا هو تحريض على الخروج من أزمة الواقع وثقله الذي يحبط كل شيء بهيج في الحياة التي تحملنا في جب الذاكرة القديمة قسرا:

أتذكر خفّةَ الأشياءِ
خربشةَ الصغار على النهارِ
ورسمَ ميسمِها رهيفاً، ناحلاً، كالشعرِ
كالقبلات في شرخ الصِّبا،
أو رعشة الصبوات
وهي تهلّ من مطر الأغاني؟

يبدو كل تأخر عن إنجاز الحلم تجميدا للمشاعر، والقصيدة تستمد طاقتها من كونها مفارقة للواقع دون أن تكون متعالية عليه. إنها التصور الفطري للحب في زهوته المبكرة قبل أن تلوثه اللغة أو تحنطه الكلمات أو تودي به حروب خاسرة. وعبر اللغة تنبثق أسرار، وتتفتق أفكار، وإذا الأنثى امرأة جميلة أو بلاد نسكنها أو مدن نرتحل عنها فنشعر بالاغتراب:

هي زهرةُ الكلماتِ،
أولُ ما تعلّمنا من الأسرار والأفكارِ
أولُ سورةٍ في الأبجديّه.

الأرض تحتاج إلى أسطورة لتحيا بكل الكبرياء الذي تخلعه اللغة عليها. وهنا تكون معاناة الشاعر وقلة حيلة السارد، ومقتل الفنان الذي يصوب العدسة على المنظر ليأخذ نفس السمات بلا انحراف جمالي مؤكد. يحافظ الشاعر على قيمه الجمالية ومعاييره الفنية ولمساته البيانية وفي نفس الوقت ينخلع من تربة المألوف والمكرور والمتماهي. من الأسطورة تتشكل لوحة من طرافة الأشياء واختلاف النسب وأسرار اللون وسحر الضوء المخاتل. من الشبابيك تكون الصورة أبهج والندى له رقة الشوق في القلوب الرحيمة، التي يخط البشر إشاراتها بخفاء وغموض وربما برهبة.:

وهي الأساطيرُ التي ما خطَّها بشرٌ
ولا أسرى بها شجرٌ
وما برحتْ تسكّ على الشبابيك الندية.
لمعانَ ما يطفو من المعنى
على شفق القبابِ
وما يفيض عن الهوية.

إن النزعة المشهدية في قصيدة علي الدميني تمدنا بأسباب جمالية شفافة وذات أبعاد جمالية أخاذة، وهو ما يعني قدرة الشاعر الدائمة على إثارة الدهشة عبر الصور الجمالية التي تخطف القلب وتأسر الوجدان. أنثى تمتزج بدم الشاعر فيصبح المقتول قاتلا. والقاتل ضحية خنجره، خاصة أن الرايات ترفرف في أجواء طقسية تثير البهجة والألم، في ذات اللحظة:

أَسميتُها أنثى،
فمن ذا لا يرى أنثاه في دمهِ
ومن ذا لا يرى "راياتِ يحيى"

لا تتواني اللغة عن رسم اللوحة وتتشكل الأنثى هذه المرة كـ" موديل " عصري في غلالة تراثية، ففي الأنموذج حياء ورقة وخفر. تتوحد الأنثى بالوطن، السحابة بالكتابة، وتبتهج القصيدة لتعيد صياغة النشيد السماوي في ترتيل جديد:

وهي تخرج من عباءتها البهية؟.
وهي الصبيّةُ والبقيّةُ،
والسحابةُ والكتابةُ،

كان يمكن لهذه العناصر التي تأبى التحديد أن تأخذنا خارج السياقات الجمالية للقصيدة، وحسبنا أننا استغرقنا وقتا ممتعا في ملامسة ملامح النص ثم الرغبة في اقتحامه وصولا إلى أعماقه. ربما تمكن منا الظمأ فأردانا قتلى، وربما في لحظات الكشف تمكننا من التسلل للخلايا الحية الممزوجة بظمأ ودم القروي الجميل، فنجونا.

في كل الأحوال حاولنا الاقتراب من طقوس ورموز ولغة النص في تشكله الجميل، في محاولة للوصول إلى جوهره الحي المحفوف بالجمال. لعلنا وفقنا أو أو أوشكنا على التوفيق ونحن نجمح مع أطفال القصيدة في " شقاوتهم" ولقد كان جميلا أن ينتهي النص بحضور رائع للأطفال، وهم يفتحون اسمها بقمر يضيء التعب ويعلن عن رهان أكيد:

وهي أُولانا وأخرانا
زهورُ "شقاوةِ" الأطفال إن جمحتْ،
وأجملُ ما تُسمّى "البندقية".
ظمأي يدي،
وحجارةُ الأطفال تفتح اسمها
قمراً على تعبي
وتعلن عن رهاني.

هي غواية الشعر، ومخاتلة اللغة، وأسرار الإبداع، وسجله الأسطوري متسربلا بملامح الوطن في تجلياته الفريدة الممكنة عبر إفصاح بليغ لكافة مكوناته الجمالية المكتنزةبالرقة والبهجة والجمال.

هذا هو علي الدميني الذي نكتشف ملامحه شديدة العذوبة كلما قدمنا مقاربة لبعض نصوصه المشغولة برقة ودهشة ومقدرة. وهي عناصر أساسية لكل فن ينشد الأصالة في ديوان الشعر المعاصر الذي يرنو لوطن ينهض ليعانق الفجر الآتي.