آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 10:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوضع المادي في القطيف والاحساء

سلمان محمد العيد

هل يمكن أن نصف أهالي القطيف والأحساء بأنهم فقراء؟ أم أن الفقر الظاهر على بعضهم ليس إلاّ قناعًا مزيفًا، ليس له أي نصيب من الحقيقة.

يبدو السؤال غريبًا بعض الشيء، لأن الشيعة في السعودية يعيشون في المنطقة الشرقية، والتي هي أغنى مناطق السعودية، فهي منطقة البترول والغاز، ومصانع البتروكيماويات، ومحطات تحلية المياه المالحة، وبهما أحد أفضل الواحات الزراعية، وبها ساحل المملكة على الخليج، فهل يتصور احدٌ أن هذه المنطقة، وبهذا الثراء الذي يتحدث عنه العالم القاصي والداني يتواجد بها فقراء؟

وكيف لنا أن نقتنع بأن هناك فقراء من أهالي المنطقة الشرقية، ونحن نجد الآلاف من المواطنين تركوا مناطقهم وجاؤوا إلى هنا من أجل وضع مالي أفضل، وأضعافهم ممن قدموا من خارج المملكة واختاروا المنطقة الشرقية لإقامتهم وعملهم.

لاشك أن هذا الوضع يستدعي التوقف مليًا، لمعرفة الحقيقة، ووضع اليد على مكمن لأن وجود فقراء في بلاد مشهورة بتراثها يعد أمرًا لافتا للنظر، ويثير العديد من الأسئلة وعلامات التعجب والاستغراب.

إننا لو توقفنا قليلاً أمام سؤال هام يثار في مثل هذا الموقف وهو: ما العموامل التي تقف وراء بروز فئة فقيرة، وأخرى غنية، ولماذا هذا التمايز على الصعيد المادي بين أبناء المجتمع الواحد؟

للاجابة على هذا السؤال نقول اننا لانتحدث عن تفاوت في المستوى المادي، فهذا أمر طبيعي يحدث في أي مجتمع، لكننا نتحدث عن الثراء الفاحش لدى فئة معينة، وتراجع حاد في الوضع المادي لدى فئة أخرى، ونتحدث عن فئات محرومة تسكن بيوتًا مستأجرة أو بيوتًا مبنية من الطين والصفيح، وأخرى لا تدري اين تضع أموالها.

من الواضح أن غياب العدالة (أو وجود الظلم) سبب رئيسي لوجود هذا الوضع، فحينما تتاح كل الفرص لفئة أو طائفة معينة، وتحجب هذه الفرص (كلها أو بعضها) عن فئات أو طوائف اخرى، فإن الناتج الطبيعي لذلك هو المعاناة والفقر والجهل والمرض سوف تظهر لدى الفئات المضطهدة والمحرومة والمظلومة، لك أن تتصور منطقة ما تفتح بها المدارس والجامعات والمصانع والمستشفيات والخدمات الأخرى، هل يمكن مقارنتها بمنطقة محرومة من كل هذه الخدمات، ولاتحظى ببعضها، ولاشك ان النتائج سوف تظهر عليها، فمن يعش في منطقة قريبة من المراكز الصحية فإن فرصة حصوله على العلاج أفضل من الذي هو بعيد عنها، ومن تتاح له فرصة الدراسة الجامعية سيكون أكثر علمًا من غيره، وبالتالي فإن فرصة العيش الكريم أمامه أفضل.

إن هذه المعادلة تبدو واضحة لاتحتاج إلى المزيد من النقاش، ولا أظن ان ثمة خلافًا حيالها.

لو جئنا وطبقنا هذا الأمر على السعودية بشكل عام، فإن هناك تداخلا في القصة، ففي الوقت الذي نجد أن هناك أحياء لفقيرة حتى في الرياض وجدة والدمام وهي من المدن المركزية الكبيرة التي يفترض أن يتراجع مستوى الفقر فيها والسبب أن الخدمات لم تصلها، وأن الجهات المعنية لم تولها أي اهتمام، ولم تتوجه الدولة لحل مشكلة الفقر فيها، بل في وقت ما لم تكن تعترف أي جهة معنية في الدولة بوجود فقراء في السعودية، بينما الفقر ظاهرة واضحة للعيان لايمكن نفيها أو الهروب منها.

من هنا فالمسؤولية هنا تقع على الدولة بالدرجة الأساس، فهي المعنية بأن تأخد بيد هؤلاء الفقراء وتعمل على أخذهم من عالم الفقر إلى عالم آخر، وان تبني لهم المدارس والمراكز الصحية، وترصف شوارعهم وتوفر لهم كل عوامل الحياة الكريمة، هذه هي مسؤولية الدولة، وفي حال تم توفير ذلك، واشتكى شخص ما وضعًا ماديًا – حينها يمكن أن تعتبر مشكلته خاصة.

كما أن هناك قضايا كبيرة تؤرق جميع المواطنين لم تتوجه الدولة لحلها بشكل جذري، وهي تقع في صميم مسؤوليتها تجاه المواطنين، مثل السكن الملائم، فلو تم حل مشكلة السكن لدى الفئات محدودة الدخل، فإن المشاكل الأخرى قد تبدو أسهل، ويمكن لأي إنسان تجاوزها، كذلك لو تم التوجه بشكل جدي للنقل العام، بين المدن والقرى، فإن جزءًا كبيرًا من مصاريف المواطن السعودي يتم توفيرها من قبيل استخدام السيارة الخاصة.

وهكذا فإن هناك أمثلة كثيرة، من الواضح أن ثمة تقصيرًا كبيرًا لدى مؤسسات الدولة، وقد أدى انعدام الرقابة دورًا كبيرًا في تفاقم هذا التقصير، واستفحاله، فما تخصصه الدولة لرفاهية وراحة المواطن يتعرض في كثير من الأحيان لعملية نهب وسرقة، أو تحوير، والشاهد على ذلك واقع الاتصالات وخدمة الهاتف الثابت، والهاتف المحمول في الفترات ما قبل شركة الاتصالات السعودية.

بالطبع لا نقول أن هناك غيابًا كليًا لهذه الخدمات، أو أن الدولة تعتمد التقصير، ولكن المتفق عليه أن هناك خللاً كبيرًا، بين ما يتم رصده في الموازنات العامة لخدمات الصحة مثلاُ وبين ما يجده المواطن على الأرض ما يستدعي المزيد من الرقابة والتحقيق، وتشديد العقوبات، إذ لم ننسى كارثة سيول جدة والتي كان سببها الأساس حالة فساد استشرت في أمانة جدة استمرت لعقود طويلة، كانت ضريبتها المواطن المسكين، الذي دفعها من راحته وحقوقه وأخيرًا من حياته، فهو بهذا الوضع غير مسؤول مباشرة عن هذا الواقع، مع اننا لا نعفيه من الجزء الأصغر من المسؤولية، كونه سكت عن الحق أو تواطأ مع الخطأ.

هذا الواقع المؤلم يكاد يكون حالة عامة في المملكة، وربما في العالم العربي ككل، فالفساد والرغبة في الثراء لدى بعض الفئات المتنفذة يعد عاملاً اساسيًا في حدوث الفقر والعوز لدى فئات أخرى من ابناء المجتمع.

لكن هل المناطق الشيعية في القطيف والاحساء تدخل ضمن هذا الوضع، أم أن هناك شيئًا أضافيًا، نابعًا من الثقافة الطائفية التي باتت موجودة في كل مكان؟

ربما الوضع في المنطقة الشرقية، والمناطق الشيعية متشابه للوضع في مناطق أخرى، ولايمكن الجزم بأن ثمة وضعًا طائفيًا، ولكن البلاد بكل اسف تسير بطريقة غير عادلة، إذ أن الاهتمام بالمدن الرئيسية والمركزية اكثر من المدن والقرى والأرياف التي تعتبر أطرافًا، فالقطيف والاحساء لا تحظى أي منهما باهتمام كالذي تحظى به الخبر والدمام، بل أن هناك مناطق في الخبر والدمام تعاني مثل الذي تعانيه القطيف والاحساء مثل الراكة والدواسر والثقبة ومخطط 71 وغيرهم. فلا يعدو الوضع ان يكون سلبيًا شاملاً في المنطقة الشرقية، يتمثل في أن الجهات القائمة على تقديم الخدمات غير متصفة، ولا تتسم بأي نوع من الإايجابية في تقديم تلك الخدمات، لأسباب كثيرة، لعل أهمها غياب الرقابة والمتابعة والحرص على الجودة في تقديم الخدمة، فضلاً عن وضع الرجل غير المناسب في المكان المناسب، بالتالي فالمسؤولية كلها تقع على الدولة وتحديدًا على مجلس الوزراء الذي مهمته متابعة مثل هذه الأمور، التي تخص المواطن.

وهنا لا يخلو الأمر من حالة طائفية تتمثل في أن المشروع المقدم للقطيف والاحساء يبقى في الأدراج والأرفف لسنوات، بينما أي مشروع لأي منطقة اخرى لايتأخر لنصف المدة التي يتأخر فيها.

من هنا فلا يعني الوضع الطائفي في مكان ما يمكن ان نعكسه على كل شيء، ويتم تحميل الوضع الطائفي أكثر مما يحتمل، ولا يتم السعي لدى الدولة لتعديل ذلك، الذي – كما يبدو – أنه تقصير إداري بالدرجة الأولى، يمكن أن يطبع ذلك ببعد طائفي، ويمكن أن يستغله أي شخص يتسم بالروح الطائفية التي تبيح له التقصير في أداء مهمته كموظف في الدولة.