آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 8:18 م  بتوقيت مكة المكرمة

خلِّدوا البصارة والحواج

ياسر محمد الدار

تمر على المجتمعات والأمم شخصيات قد لا تكون وليدة عصرها وإنما عاشت ضمن حقب زمنية ماضية حملت من زمانها عبرة أو ذكرى أو قيمة سامية هي شعلة ودرساً للعصر الذي أعادت الانتشار فيه.

ودائماً ما يعيش أبناء الوقت المعاصر في أي مكان ذكرى طيبة من إرث مضى ولكنه يعبر عن شعورهم ولسان حالهم، ويخالط وجدانهم وفكرهم نتيجة إعجابهم بهذه الشخصية أو تلك اعتبارهم إياها نبراساً ومناراً في الحياة. وفي هذه الرسالة سنكتفي بمجال معين من ابتغاءً لإيصال المراد.

الكثير منا توارث عن آباءه عن أجداده ترنيمات ولائية باتت سمة شعائرية نسمعها ونردد معزوفاتها ومفرداتها كل عام، بل وأصبحت هدىً للمتخصصين والسالكين ذات الدروب يتعلمون منها القواعد العامة على مستوى اللحن والكلمة تارة، ويقلدونها لإحياء النفوس التائقة لترديدها وسماعها تارة أخرى.

لم نعش حقبة الشيخ عبد الزهراء الكعبي ولكننا اعتدنا سماع مقتل الإمام الحسين كل عام بصوته وبتنا نعرف من الخطيب أن هذا الطور واللحن هو للشيخ الكعبي، فلا يمر عاشوراء إلا وصوته يصدح في كل أرجاء العالم في مختلف المجالس الحسينية.

كما أننا لم نعاصر الرادود الملا حمزة الصغيّر والشاعر كاظم منظور الكربلائي ولكننا نسمع صدى الصوت والكلمة ينتقل عبر الأثير وفي كل الأرجاء، وأصبحا مدرسة للرواديد المنتهجين أسلوب اللطم بطريقة المدرسة الكربلائية. كذلك هو الحال مع الخطيب الشيخ هادي الكربلائي رحمهم الله أجمعين.

واليوم وقد فقدنا خطيباً بارعاً له نكهته الرثائية وونته الخاصة في نواعي أهل البيت - الخطيب الملا عبد الرسول البصارة - عطر الله مرقده الذي عشقه مجتمعه وأصبحت مجالسه مركزاً لغسل النفوس من الذنوب بالدمعة الصادقة البريئة على مصائب أهل البيت.

وفقدنا قبله خادم أهل البيت الناعي والمقرئ السيد أحمد الحواج رحمه الله تعالى بأسلوبه الحزين وحنجرته الشجية التي أحزنت وأبهجت كل من يسمع صداها في أفراح وأتراح أهل البيت وسائر مناسبات المؤمنين.

من باب الواجب علينا جميعاً، أوجه رسالتي لذوي الفقيدين العزيزين أولاً، ومحبيهما ثانياً بضرورة تنظيم وإعادة تصنيف ومعالجة إرث المرحومين الصوتي بما يتناسب والأنظمة الصوتية الحديثة وإخراجه لكافة الناس. فما أجمل التفرغ لإصدار سلسلة صوتية من النواعي التي اعتاد الناس على سماعها منهما عبر ألبومات مصنفة حسب المناسبات يستعان فيها بمهندسي الصوتيات لمعالجتها وإبرازها بالشكل المطلوب.

كذلك من الواجب على كل من يحتفظ بمقاطع أو مجالس مصورة لهما - رحمهما الله - المبادرة إلى نشرها وعمل المونتاج اللائق بها وبثها عبر الفضائيات وشبكة الإنترنت.

رحل الكعبي والصغيّر والكربلائي والبصارة والحواج وغيرهم، فمنهم من بقي صوته يتردد على الآذان ويخترق النفوس منذ عشرات السنين ومنهم من ينتظر من يبرزه وينقل إرثه للأجيال القادمة، فهذه منطقتنا وهؤلاء من أصواتها المتميزين.