آخر تحديث: 28 / 9 / 2020م - 10:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

إرتداء مغفرة...!

الدكتور عائض القرني والكاتبة سلوى العضيدان

الدكتور محمد المسعود

ما كنتٌ راغبا في الكتابة عن زلة من عالم حقها علينا المغفرة، ولا الوقف عند كبوة يليق بها إغماض العين، والتسامي عن ضعة الشماتة وعيب التعيير..!.

يا قومي...!

- تذكروا اليتيمتين

«كلمة جهل من عالم فأغفروها.. وكلمة علم من جاهل فأقبلوها..».

- وتذكروا..

«.. أقيلوا ذوي المروءة عثراتهم.. فما يكبوا أحدهم.. إلا وملك كريم يرفعه..».

يا قومي..!

إن الشتيمة فضيحة لهشاشة نفس الناطق بها، وإن السرور بعثرات الكبار يتضمن وضاعة في الأصل يمتد إلى العروق والأنساب فلا نفس كريمة تغتبط عند نازلة.. أو يداخلها سرور عند تردي في سيئة. إن شمائل الكرام التعامي عند السيئات، والتغافل فيما يجمل فيه عدم النظر.

يا قومي..!

لا تحسبوه شرا لكم..

بل هو خير لكم جميعا..!

خير للذين شمتوا وغلب عليهم السرور والفرح.. فقد تكاشفت لهم أنفسهم أنهم بهذا القدر الضئيل جدا من النبل والشرف والكرامة..!. وأنهم يعوزهم الستر أكثر من غيرهم..!

وهو خير.. للذين داخلهم الحزن النبيل الذي يداخل قلب المؤمن المحتسب عند كل مصيبة، ويستحضر الله عالم الغيب والشهادة عند كل نازلة.. فقد تجلى لهم طهر الينابيع وشهامة العرب في النوازل

هو خير للدكتور الكبير..

- ذاك أن الرجل يجب أن يكون بمقدار الدكتور الفاضل، وبطول قامته، وبكل هذا الإتساع في الحب والحضور، حتى نرتفع به ومن خلاله إلى عدالة - عدم المحاباة - وسقوط الوسائط في غير الحق أو الإعانة عليه. كنا بحاجة إليك أكثر حتى نخبر العالم أننا لا زلنا نحمل ضمائر حية تنطق بالحق حتى على من تحبه أكثر وتجله أكثر وتعظمه أكثر.. كنا بحاجة في هذه المرحلة بالذات إلى عودة الثقة إلى كثير من الأسماء وكثير من المفاهيم.. وها أنت ذا تساعدنا بما يرفع الرؤوس ويمدد لنا بين أقوامنا مدا!.

- هو خير للدكتور الكبير، وهو المتبصر الذي ينسكب غورا في الأعماق البعيدة، إذ أن مدارج السالكين إلى الله، قد يحتاج العبد إلى زلزلة ذلة ترجعه إلى العبودية التامة دون رؤية الذات التي تعاظمت وإرتفعت وتعالت في قلوب الخلق وأعينهم. فيبتلي الله جمال يوسف بذل العبودية للخلق، ومهانة الحبس، ورميه بكل نعت عبد السوء وصفاته. وما ذاك إلا ليجعله مخلصا له خالصا صافيا بعذوبة نبع الجبال المرتفعة..! وإن هذا مقام أكرم الله به رسله وأنبيائه وأهل الصفوة من خلقه.. لا ينبغي للدكتور أن يعظم نفسه عليه. أو يرى نفسه أعظم منه.

تفيد الشجاعة واليقين في إحتمال كل ضعف. والله أكرمك بهما يا صاحب المجداف وسارية السفن المبحرة إلى جزرك الوارفة الجمال الطيبة الثمر..! أحسن الله إليك حين أحبك فطهرك ورفع قلبك بذل العبودية بمنزلة يسعى إليها السالكون بالكثير من المجاهدة وطول نصب وعذاب. وحسبك أن خطئك في علم وعدم الضبط في تدوين مصادره.. وغيرك فيما لا يستطع أحد الحديث عنه ’ فتبتل إلى ربك بدوام الحمد. يا جميل الضفاف..!.

وهو خير للكاتبة المبدعة.. العضيدان..!

فقد غنمت عوض ما فات مالا..

وغنمت ما حضر شهرة وحضورا..

وكأنها يوسف الذي ما ضره طول حبسه بعد أن تنزل على عرش مصر..!. فهل يليق بهذا غير الحمد ودوام الشكر..! ثم أن الكاتبة سلوى قد تكاشفت أمام العالم لكي يتجلى صفات الجمال فيها الصبر والمحبة والتسامح. والتسامي فليس من صفح ولا تسامي بغير ذنب وبغير وجع وبغير نصب..! ولولا ذاك لتساوى الناس في الفضائل وجميل الشمائل.

هو خير.. لأن المغفرة لا يستطيعها ولا يقدر عليها كل أحد.. لأنها ليست من أفعال العقول.. بل من أفعال القلوب والقلب يغفر بمقدار الطهر والصفاء والنقاء فيه.

دون الدخول في غموض النوايا..

تعالوا.. إلى طي الأمر طي الكتب.. فالعالم يرى نفسه هبة محضة من الله، وأن الرؤية للذات هي بداية الوهن، وبداية السقوط وبداية الضعف.. وبداية أن يكله الله إلى نفسه. فلا يبلغ خيرا ولا يقدر عليه.. لن يكون بوسع كاتبتي الفاضلة أن تعاقب فضيلة الشيخ بفعل الهمج الذين ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح. وذاك سلوك العامة الذي لا يضبطه ملك مقرب ولا نبي مرسل. فكيف يضبطه القرني أو يسيطر عليه! وإن ما أصابك هو هبة الله لك لجميل المثوبة وحسن الأجر. وإن التشفي أو إرادة الانتقام تنتقص من صاحبها ولا تعطيه شيئا.

وإني أقدم لك باقة نبل في هذه القصة الصغيرة:

- نزل الأحنف بن قيس على إعرابية... تعجلت كما هي سيرة العرب وكرمهم ضيافته وأبنه.. وحيث أن طعامها كان أقل من أن يفي بكرم الضيافة عاجلت شاتها بالذبح.. ثم ساقتها إليه باذخة الشواء معتذرة على قلة ذات اليد..!

عند الرحيل سئل الأحنف أبنه:

- كم تحمل من المال؟

- مائة دينار..!

- وكم بقي علينا لبلاغ المدينة؟؟

- مسافة تقصر عن نصف نهر..!

- يا بني.. ألقي إليها المائة..!!

فشهق ابنه.. وقال مذهولا:

- إنها يا أبي إعرابية.. لا تعرفك فحسبك أن تعطيها نصفها..!

- صه يا بني..! «أي اصمت». وقال كلمته الخالدة:

- إن كانت لا تعرفني.. وقد أكرمتني فإني أنا أعرف نفسي..!!

إننا منتصرون جميعا..

وبقي أن يعرف كل واحد منا نفسه..

فهذا اختبار عظيم للصفح.. واختبار عظيم لرفعة النفس.. والتجاوز.

فهل نحن قادرون..!.