آخر تحديث: 28 / 5 / 2020م - 11:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

صوتك العاشق في تراتيل السحر..

في ذاكرتنا المليئة بالأحداث... تبقى بعض الصور عالقة برونق أخاذ يُجبرك على عبور الزمن إليها.

صورتك وأنت تتوضأ استعدادا للصلاة يا أبتاه حاصرتني، كنت تشع نورا ولست أدري أكان نور وجهك الأقوى أم نور انعكاس الضوء من صدر السماء،،، كعادتك كنت مستعجلا للانطلاق لتولي وجهك نحوه عاشقا فصلاة الفجر بقربه غاية ماتتمنى وكيف لا يكون كذلك وتهجدك الخاشع لا يزال عالقا في سمعي وليالي عشقك تمتد...

حتى رحيلك لم يكن عاديا،،،

فقد أبيت أن يكون وداعك عاديا، خرجت يملأك العشق متوجها لصلاتك تستبق الفجر في الإعلان عن نفسه،،، صلاة الليل وتلاوة القرآن وعطر تسبيحك الشهي.

وعدت للبيت تودعه فتلوت تراتيل الحب بكلمات علي ومن لنا غيره إن قرب الوداع فكان دعاء الصباح مشرقا في الأرجاء بصوتك الحزين الخاشع ولكنه كان ذلك اليوم متعبا ومنهكا على غير عادته،،، تنحنحت أكثر من مرة محاولا استرجاع قوته لكنه أبى إلا أن يشاركك الوداع،،، انتهت مراسيم الاحتفال اليومية وطقوسك العبادية فاختتمتها بدعاء العهد ووقفت مترنحا تحاول الوصول للباب لعبور الحياة لجهاد آخر حيث التراب الذي تعشق،،، كنت تعانق حباته في الصيف والشتاء وكل فصول العام بلا تذمر، تستنشق عبير الحياة هناك بين السماء والأرض وقلبك يردد الحمدلله،،، حين أشاهدك معلقا على نخلة من نخيل الأرض الشامخة أشعر بك أقوى منها،، قامتك أطول وجمالك مدهش وصبرك ينافسها،،،

لم تمهلك الحياة فرصة عناقها للمرة الأخيرة فسقطت في حجرتك التي شهدت صوت تلاوتك ودعاءك وهمسات ليلك الطويل المتهجد،،،

لم أعي بأن اليتم فقدا موجعا حد الاغتراب إلا حين رحلت،، فأصبحت يتيمة!!

في كل مرة أدخل فيها المنزل أشعر بأن أنفاسك تعانق كل مكان ومجلسك العامر كل ثلاثاء بذكر الآل يترقب حضورك وكأنك كعادتك تتطمئن على وجود كل شيء وبأن كل أمور الضيافة على مايرام،، تهتم كثيرا لأدق التفاصيل فتسأل عن أبسطها.

القهوة، الشاي، الحليب، الفاكهة والبركة التي ستوزع كل شي يشغلك وقتها وفي أيام الفرح يكون البخور وماء الورد إضافة لها طقوسها الخاصة عندك بكيفية تقديم معينة تحرص على تطبيقها في كل مرة ننسى مواعيد تقديمها حسب عادة كل منطقة،، بيتك العامر في الأعياد ليكون محطة الفرح التي يتجمع فيها الأهل بضجيج وصخب وكأنه عرس وما أكثر الأعراس في كل اجتماع!

البيت الآن أكثر هدوءً وحدها أمي تقلب ذكرياتها معك في كل حين وتندبك مع كل فاصلة من فواصل الحياة اليومية، تسترجع شريط الزمن الذي لا يتوقف عند أحد وتجر خيبات الوحده حين تتحسر على غيابك عنها، وجعها خاص لا تبوح به بحزن مفرط بل تحتفظ به ثرثرة بينها وبين نفسها حين تخبرنا بأنها تستيقظ فجرا بأنفاس تلهث وروح عطشى وصوتك الخاشع بالقرب منها،، كانت مكلومة بفقد أختي وهاهي تضم لوجعها وجعا جديدا.

وهاهو رمضان زائرا عزيزا يحل علينا كنت تترقبه للدرس القرآني كل ليلة في مجلسك المبارك،، أفتقد صوتك الشجي،، أفتقد تلاوتك العطره ورائحتك وأنفاسك وتسبيحك وكل تفاصيل عشقي إليك...

لكنه العمل الصالح الذي بقى رغم الرحيل وامتد نوره ليطال أرواح العاشقين فكنت نورا يمشي في النفوس وكانوا أخوتي حفظهم الله نورك الذي يمشي بين الناس!!

تهيم تلك الأصوات العاشقة ممزوجة بهيبة الحب وهي تتلو آيات الله في شهره المبارك كل ليلة، فأستشعر وجودك حاضرا شاخصا وأرى حبك للآل يا خادم الحسين في كل تفاصيل الحياة رغم مرور أكثر من عام على رحيلك يا حبيب القلب ونوره.

رحمك الله يا والدي ورحم الله أموات المؤمنين والمؤمنات.