آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 7:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

السلطة والإنسان الأدنى «1 - 2»

نضال البيابي

السلطة هي ممارسة نشاط ما على سلوك الناس، أي " القدرة على التأثير في ذلك السلوك وتوجيهه نحو الأهداف والغايات التي يحدّدها من له القدرة على فرض إرادته " كما يقول جان مينو. والسؤال هنا: كيف يمكن للذين يتمتعون بسلطة ما أن يؤثروا على سلوك الآخرين؟!

هناك وسائل عديدة - حسب علم السياسة - تستخدمها السلطات لكي تحقق أهدافها، من مثل: تأمين الطاعة بواسطة الحظوة الاجتماعية أو الصّيت أو الموقع الاجتماعي، وحتى بواسطة السلوك الذي يعدّه المجتمع سلوكاً فاضلاً «كتمجيد الطاعة وشيطنة التمرد». وإذا فشلت هذه الوسائل في تحقيق غايات السلطة، فإنها بالضرورة ستلجأ إلى العنف.

عالم الاجتماع ماكس فيبر اعتبر العنف هو الوسيلة الطبيعية للسلطة، من حيث احتكاره وشرعنته، بل السلطة مسكونة دائما بهاجس البحث عمّا يجعل هذا الاحتكار مشروعاً أو شرعيّاً.

بحث فيبر عن أسس هذه " الشرعية " التي لها علاقة بالسيطرة والخضوع، وفي أية شروط يخضع الناس، وعلى أية وسائل تستند السيطرة التي تخضعهم، فحددها في ثلاثة نماذج للسلطة:

1 - نموذج تقليدي يستند إلى نفوذ " الأمس الأزلي " ويتمثل في سلطة الأعراف، وقداسة الاعتقاد في " السلف ".

2 - نموذج السلطة اللدنية المبنية على الاعتقاد الانفعالي في قدرات شخص استثنائي بسبب قداسته أو بطولته أو ميزاته المثالية.

3 - السلطة القانونية المستمدّة من الاعتراف بمعقولية التشريعات والقوانين.

جان وليام لا يبار، يحدد في السلطة أشكالاً أساسيّة ثلاثة، مستعيداً تقسيمات فيبر - وإن تحت عناوين أخرى، دون الإشارة إلى فيبر، وهي: السلطة المباشرة، حيث خضوع كافة أعضاء الجماعة للأعراف فلا " أحد يأمر ولكن الجميع يطيعون" معتبرين مخالفة القواعد المقدّسة جريمة تعرّض فاعلها إلى عواقب مشينة تجلب الموت وغضب الآلهة ونقمة " السلف ".

أما الشكل الثاني فهو " السلطة المجسّدة حيث تعبر السلطة كملكية أو كمتاع، وهي ميزة ميزات " عبقرية " مالكها. وكأن المالك هنا امتاز عن الآخرين بما وهب له من قدرة وجاه وسلطان، بمعنى أن الله أختصه دون الآخرين بهبات فريدة، وستسعى السلطة لتعزيز إيمان الرعية بهذا الاعتقاد كما فعل ذلك معاوية مثلا «الذي يعتبره بعض المؤرخين هو المؤسس الفعلي لهذه العقيدة في التاريخ الإسلامي».

وهنا تكون البنية الاعتقادية للسلطة، مشابهة لبنية السحر؛ وهو اعتقاد تشرّعه مجموع الرغبات والحاجات التي " لا يستطيع الناس توفيرها بذواتهم، متضارعة في لبس عجيب مع مجموع الميزات التي للمتنفّذ - كما في السحر - تتأكد السلطة متخفّية في عملية أسطورية ضخمة، حيث تتدخل الآلهة لتأكيد مصداقية وقوّة اقناع الأوامر والممنوعات".

الشكل الثالث هي السلطة المؤسّسة، وهو اصطلاح قانوني، حيث تتحوّل السلطة إلى " شخص معنوي " يعبّر عن " الخير المشترك " أو " المصلحة العامّة ". فالسلطة المؤسّسة في جوهرها سلطة قانون حيث" تتكيّف الأصول التشريعية مع ضرورات الحياة الجماعية".

الذي يعنينا هنا السلطة التقليدية التي تستمد نفوذها من " الأمس الأزلي " وسلطة الأعراف العريقة. هذه السلطة لا تلجأ إلى العنف فقط - كما يظن البعض - لتحقيق أهدافها وتعزيز هيمنتها على المدى البعيد، إنما تستثمر قائمة طويلة من الأعراف والتقاليد والطقوس والاحتفالات لكي تؤمن استمرارها وتجدّد دورها في المجتمع من جهة، ولتتقي كل محاولات التمرد الممكنة من جهة أخرى.

إن القراءة المتفحصة لبنية هذه السلطة تكشف عن صعوبة حدوث تحوّلات عميقة في ذهنيتها التأبيدية، هذا إن لم نقل باستحالتها أصلاً.

فهي تقوم على هرمية معينة، حيث تعمل على إعادة إنتاج العلاقات التراتبية التي لا تولد سوى الهيمنات والتبعيات.

بتعبير آخر، هذه الاختلالات في العلاقة بين السلطة والإنسان الأدنى تولد بالضرورة " قداسة كمونيّة" تكون حاضرة دوما داخل السلطة.

يطلق دي جوفنيل على هذه الحالة التي تستبد بالفرد حينما يتولى سلطة مطلقة اصطلاح " الأنا الحكومية". بمعنى أن الفرد بمجرد أن يمارس سلطة على الآخرين، فإنه يشعر" بسمو ذاته وأن إرادته تعلو على إرادة الخاضعين".

فممارسة السلطة على هذا النحو تخلق لدى الحكّام شعوراً بالسمو، وحتى لو كان الحاكم فرداً عادياً من أفراد الشعب فإنه " بعد ممارسة السلطة يتولّد لديه إحساس بأنه مختلف عن أمثاله من أفراد الشعب، وبانه يتمتع بإرادة من طبيعة سامية.. إن هذا التعالي والتسامي هو الذي يولّد فعلياً الإيمان بقداسة السلطة وحتى بقداسة من يمارسونها".

ويمكننا التوسع في هذا المفهوم لنماذج السلطة التقليدية بالرجوع إلى فرويد في " الطوطم والحرام" أو " الأشكال الدنيا للحياة الدّينية " لدوركهايم أو " المقدس والدّنيوي " لميرسيا الياد، وكلها دراسات سوسيولوجية وانتروبولوجية تؤكد على الرابطة الحميمة بين السلطة والمقدس، كاحتفالات التنصيب، ومراسم الطاعة، والولاء والتعظيم، وصولاً إلى الخوف المطلق من لعنة انتهاك المقدّسات؛ حيث تفرض طبيعة السلطة النرجسية وفي سبيل تعزيز هيمنتها وتوطيد استمرارها إلى اجتثاث البذور الأولى لتكوين شخصية مستقلة، فقصارى ما تطمح إليه السلطة، أن تظل الرعية صالحة للتذليل والتسخير.

وكلما كان المرء أكثر خنوعاً ومسخاً لشخصيته أو تنديداً لفرادته، كلما كان أكثر قبولا من جانب السلطة، والعكس صحيح بطبيعة الحال.

ولكن حين يبدي المرء ذاتيته في صورة مغايرة لتطلعات السلطة، اعتبر بالضرورة ذلك التباين شقاً لعصا الطاعة والتواءً أخلاقياً بشعاً، هذا فضلا عن التشنيع على سمعته ووصفه بالمروق والعصيان والفجور، وبالتالي استحقاقه للعقاب والقصاص.